تتزايد الضغوط على مزارعي البصل في السوق المحلية خلال الموسم الحالي، في ظل ارتفاع ملحوظ في تكاليف الإنتاج مقابل تراجع نسبي في أسعار البيع في الأرض، ما دفع العديد من المتعاملين إلى التحذير من خسائر مباشرة قد تهدد استمرارية زراعة المحصول في بعض المناطق، بالتزامن مع حصاد المحصول الجديد وتوافر مخزون من الإنتاج القديم المخزن في الثلاجات والمبردات.
وكشف عدد من التجار والمزارعين أن متوسط تكلفة زراعة فدان البصل بلغ نحو 85 ألف جنيه، تتوزع بواقع 35 ألف جنيه قيمة إيجار الأراضي الجيدة خلال الموسم الشتوي، بينما تشمل باقي التكلفة بنود التسميد وتجهيز الأرض والعمالة والري، إلى جانب استخدام المبيدات الفطرية والحشرية، فضلًا عن التقاوي ومصاريف الحصاد والنقل.
في المقابل، لا تتجاوز إنتاجية الفدان في المتوسط نحو 20 طنًا، يتم تسويقها بسعر يقارب 4 جنيهات للكيلوجرام، ما يعني تحقيق إيرادات إجمالية تقدر بنحو 80 ألف جنيه فقط، وهو ما يضع المزارع أمام خسارة مباشرة تُقدر بنحو 5 آلاف جنيه للفدان الواحد، دون احتساب أي تقلبات سعرية إضافية أو فاقد في المحصول.
وقال وائل أبو إسلام، مزارع بصل من محافظة الشرقية، إن الأسعار الحالية لا تعكس حجم التكاليف التي يتحملها المزارع، خاصة مع الزيادات الأخيرة في أسعار الأسمدة والمبيدات، فضلًا عن ارتفاع أجور العمالة، مضيفًا أن السوق يشهد حالة من الركود النسبي نتيجة تراجع القوة الشرائية، ما يحد من قدرة التجار على رفع الأسعار لتعويض الخسائر.
وأشار إلى أن وفرة المعروض خلال الفترة الحالية ساهمت في الضغط على الأسعار، مع تكدس كميات كبيرة من المحصول القديم، خاصة مع دخول الإنتاج المحلي الجديد وتراجع الطلب التصديري في بعض الأسواق الخارجية.
وأوضح أن التصدير كان يمثل متنفسًا رئيسيًا لدعم الأسعار، إلا أن التحديات اللوجستية واشتراطات الجودة حدّت من الكميات المصدرة هذا الموسم.
من جانبه، قال رضا أحمد، أحد المزارعين في محافظة البحيرة، إن تكاليف الإنتاج تضاعفت تقريبًا خلال السنوات الأخيرة، بينما لم تشهد أسعار البيع نفس الوتيرة من الارتفاع، لافتًا إلى أن العديد من المزارعين باتوا يدرسون تقليص المساحات المزروعة بالبصل خلال الموسم المقبل، والاتجاه إلى محاصيل بديلة أقل تكلفة أو أكثر استقرارًا من حيث التسعير.
شاهد ايضاً
وأضاف أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وعلى رأسها الأسمدة، يمثل التحدي الأكبر، حيث يستحوذ بند التسميد وحده على نسبة كبيرة من إجمالي التكلفة، إلى جانب زيادة أسعار التقاوي المستوردة التي أصبحت تشكل عبئًا إضافيًا على المزارعين.
وفي السياق ذاته، أكد أحد المصدرين أن الأسواق الخارجية تشهد منافسة قوية من دول أخرى، ما يفرض ضغوطًا على الأسعار التصديرية للبصل المصري، مشيرًا إلى أن الجودة والتعبئة أصبحتا عاملين حاسمين في القدرة التنافسية، وهو ما يتطلب استثمارات إضافية لا يستطيع جميع المزارعين تحملها.
ويرى خبراء أن الأزمة الحالية تعكس خللًا في منظومة تسعير المحاصيل الزراعية، حيث يظل المزارع الحلقة الأضعف في سلسلة الإمداد، في ظل غياب آليات واضحة لضمان حد أدنى من الربحية. وطالبوا بضرورة تفعيل دور الزراعة التعاقدية بما يضمن تسويق المحصول بأسعار عادلة قبل بدء الموسم، ويحد من المخاطر التي يتحملها المنتجون.
كما أشاروا إلى أهمية تحسين كفاءة سلاسل الإمداد وتقليل عدد الوسطاء بين المزارع والمستهلك، بما يسهم في تقليص الفجوة السعرية وتحقيق توازن أفضل في توزيع الأرباح بين مختلف الأطراف.
وتعكس مؤشرات سوق البصل خلال الموسم الحالي تحديات حقيقية تواجه القطاع الزراعي، في ظل ارتفاع التكاليف وتذبذب الأسعار، وهو ما يستدعي تدخلات تنظيمية ودعمًا فنيًا وتمويليًا لضمان استدامة الإنتاج والحفاظ على أحد المحاصيل الاستراتيجية في السوق المصرية.








