تشهد الأسواق العالمية موجة تضخم متصاعدة تضرب سلاسل الإمداد من جذورها، حيث لم تعد أزمة ارتفاع الأسعار مقتصرة على قطاع بعينه، بل امتدت من الطاقة إلى الزراعة، لتصل في النهاية إلى السلع الاستهلاكية اليومية، وعلى رأسها القهوة.


 


ويبرز مضيق هرمز كأحد أبرز مفاتيح فهم هذه الأزمة، باعتباره شريانًا حيويًا لنقل النفط والغاز إلى العال، وأي اضطراب في هذا الممر البحري الاستراتيجي يؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما حدث بالفعل مع تصاعد التوترات الجيوسياسية مؤخرًا.


 


أزمة أسمدة


ومع زيادة أسعار النفط والغاز، ترتفع تلقائيًا تكاليف الإنتاج في قطاعات حيوية، من بينها صناعة الأسمدة التي تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي. وتُعد الأسمدة عنصرًا أساسيًا في الإنتاج الزراعي، وبالتالي فإن ارتفاع أسعارها ينعكس بشكل مباشر على تكلفة زراعة المحاصيل.



ومع تزايد أسعار الأسمدة عالميًا، يجد المزارعون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما تقليل الإنتاج أو رفع الأسعار، وفي الحالتين يتحمل المستهلك النهائي العبء الأكبر. هذا التأثير المتسلسل يظهر بوضوح في سوق القهوة ، التي سجلت مؤخرًا ارتفاعات ملحوظة، مدفوعة بتراجع المخزونات وارتفاع تكاليف الإنتاج. فالقهوة، مثل غيرها من المحاصيل، تتأثر بشكل مباشر بزيادة أسعار الأسمدة والنقل، ما يدفع أسعارها إلى الصعود في الأسواق العالمية.



ولا تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ تلعب اضطرابات سلاسل الإمداد دورًا إضافيًا في تعميق المشكلة. فارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، خاصة في ظل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية، يزيد من الضغوط على الأسعار، ويؤدي إلى تأخير وصول السلع إلى الأسواق. كما أن سلوك المنتجين يساهم في تفاقم الأزمة، حيث يلجأ بعض المزارعين إلى تخزين المحاصيل انتظارًا لارتفاع الأسعار، ما يقلل المعروض في الأسواق ويزيد من حدة التقلبات.


 


قفزة تاريخية فى أسعار القهوة


تشهد أسواق القهوة العالمية حالة من التوتر المتصاعد، مع تسجيل أسعار القهوة قفزة قوية لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ بداية شهر أبريل، في ظل أزمة حادة تضرب المخزونات العالمية وتضغط على سلاسل الإمداد.



وبحسب بيانات الأسواق، ارتفعت أسعار الروبوستا بشكل ملحوظ لتتجاوز مستويات قياسية، مدفوعة بتراجع المخزون إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عام، وهو ما أدى إلى خلق فجوة واضحة بين العرض والطلب، وفقا لصحيفة لابانجورديا الإسبانية.



ووفقا لبيانات التداول فقد ارتفعت الأسعار لتصل إلى نحو 3528 دولارا للطن، فى ظل تحركات يومية صاعدة تراوحت بين 1% و2%، ما يعكس تصاعدا مستمرا وعلى مدار الأيام الأخيرة سجلت الأسعار زيادة تراكمية تقدر بـ 3% إلى 5% لتبلغ أعلى مستوى لها خلال الشهر.



ويأتى هذا التطور فى وقت يعتمد فيه عدد كبير من شركات تصنيع القهوة على هذا النوع تحديدًا، نظرًا لتكلفته الأقل مقارنة بأنواع أخرى.



وتبرز فيتنام، أكبر منتج عالمى للروبوستا، فى قلب هذه الأزمة، حيث سجلت الأسعار المحلية ارتفاعًا ملحوظًا فى مناطق الإنتاج، خاصة فى المرتفعات الوسطى.



ويعود ذلك إلى تباطؤ عمليات البيع من قبل المزارعين، الذين يفضلون الاحتفاظ بمحاصيلهم انتظارًا لمزيد من المكاسب، ما يقلل المعروض فى الأسواق العالمية، لا تقتصر أسباب الأزمة على نقص المخزون فقط، بل تمتد إلى اضطرابات سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع تكاليف الشحن، إلى جانب حالة عدم اليقين فى الأسواق الزراعية.


 


مخاوف من تضخم غذائى عالمى


ويرى خبراء أن العالم يواجه حاليًا حلقة مترابطة من الأزمات، تبدأ من التوترات الجيوسياسية وتمر عبر الطاقة، ثم تصل إلى الزراعة والغذاء. هذه الحلقة تجعل من الصعب احتواء التضخم، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.



ومع استمرار هذه الضغوط، تتزايد المخاوف من موجة تضخم غذائي عالمية قد تؤثر بشكل مباشر على الدول النامية، التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء والطاقة. وفي هذا السياق، لم تعد أزمة الأسعار مجرد مسألة اقتصادية، بل تحولت إلى تحدٍ استراتيجي يمس الأمن الغذائي والاستقرار العالمي.


 


أزمة بيستاشيو بسبب حرب إيران


تشهد أسواق السلع الغذائية العالمية موجة ارتفاع ملحوظة في أسعار الفستق “البيستاشيو” ، في تطور يعكس التأثير المباشر للتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ، وخاصة حرب إيران ، على سلاسل الإمداد العالمية، ويُعد الفستق من المنتجات الزراعية الحساسة للتقلبات السياسية، نظرًا لاعتماد السوق الدولي بشكل كبير على إنتاج دول محددة، في مقدمتها إيران.


 


أزمة بيستاشيو بسبب حرب إيران


أدت الاضطرابات الأخيرة في المنطقة إلى تعطيل عمليات التصدير والنقل، ما تسبب في تراجع الكميات المتاحة في الأسواق العالمية، ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الطلب على الفستق ارتفاعًا مستمرًا، سواء من قبل الصناعات الغذائية أو المستهلكين، ما ساهم في زيادة الضغط على الأسعار.



ولا تقتصر أسباب الأزمة على التوترات الحالية فقط، بل تمتد إلى عوامل أخرى، مثل ضعف الإنتاج في المواسم السابقة، والتحديات اللوجستية، والعقوبات الاقتصادية التي تعيق حركة التجارة. هذا التداخل بين العوامل السياسية والاقتصادية أدى إلى خلق حالة من عدم التوازن بين العرض والطلب.



ويرى خبراء أن استمرار هذه الظروف قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع خلال الفترة المقبلة، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسعار المنتجات الغذائية التي يدخل الفستق في تصنيعها، مثل الحلويات والوجبات الخفيفة.



في المقابل، قد تلجأ بعض الشركات إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة، أو تقليل الاعتماد على الفستق لتخفيف الأعباء المالية. وبينما تظل الأسواق في حالة ترقب، يبقى مستقبل الأسعار مرهونًا بتطورات المشهد السياسي في المنطقة، ومدى قدرة المنتجين على استعادة استقرار الإنتاج والتصدير.