في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية بالمنطقة، عاد سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري ليحتل صدارة المشهد الاقتصادي، مدفوعًا بتحركات رؤوس الأموال الأجنبية وتغيرات العرض والطلب داخل السوق.

وبين قفزات حادة شهدها سعر العملة الأمريكية خلال ذروة الأزمة، ومحاولات للاستقرار النسبي مؤخرًا، تتباين التأثيرات بين قطاعات تستفيد وأخرى تتحمل أعباء مباشرة، ما يعيد طرح السؤال الأهم: من الرابح ومن الخاسر؟

كيف تحرك سعر الدولار منذ بداية الأزمة؟

قبل اندلاع الحرب الإيرانية، سجل سعر الدولار في البنك الأهلي المصري نحو 47.87 جنيه للشراء و47.97 جنيه للبيع، قبل أن يقفز لاحقًا ليسجل أعلى مستوى تاريخي له في مارس 2026 عند قرابة 54.86 جنيهًا.

ومع تراجع حدة الضغوط، أغلق الدولار مؤخرًا عند 52.78 جنيه للشراء و52.88 جنيه للبيع، في إشارة إلى استمرار التقلبات ولكن بوتيرة أقل حدة.

وعكست تعاملات المستثمرين الأجانب ضغوطًا واضحة على السوق، حيث سجلوا مبيعات بقيمة 19.4 مليار جنيه في جلسة واحدة، إلى جانب 18.5 مليار جنيه في الجلسة السابقة، وهو ما يبرز الدور الحاسم لهذه التدفقات في تحديد اتجاهات سعر الصرف.

اقرأ أيضًا:

رفع عائد الشهادات في الأهلي ومصر.. هل يبطئ وتيرة التضخم؟

سعر الصرف أصبح مرآة لقوة الاقتصاد

أكد محمد عبد العال، الخبير المصرفي، أن البنك المركزي المصري لا يستهدف مستوى محددًا لسعر الصرف، بل يركز على خفض معدلات التضخم وتحقيق استقرار الأسواق، موضحًا أن العملة باتت تعكس قوة الاقتصاد بشكل مباشر، حيث تقوى مع تحسن الأداء الاقتصادي وتضعف مع تراجعه.

وأضاف أن تبني سياسة سعر صرف مرن يمثل تحولًا جوهريًا، إذ لم يعد الجنيه مدعومًا عبر استنزاف الاحتياطي النقدي كما كان في السابق، بل أصبح خاضعًا لآليات العرض والطلب. وأكد أن السعر الحالي داخل البنوك هو السعر الحقيقي، وهو ما ساهم في القضاء على السوق السوداء وتسهيل عمليات الاستيراد وفتح الاعتمادات دون قيود.

هل هدأت تقلبات الدولار مقارنة ببداية الأزمة؟

من جانبه، أوضح محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، أن حركة الدولار في الوقت الراهن أصبحت أكثر هدوءًا، حيث يتحرك في نطاقات محدودة مقارنة بالقفزات الحادة التي شهدها في بداية الأزمة، عندما كان السعر يتحرك بأكثر من جنيه خلال يوم واحد.

وأشار إلى أن تلك التحركات العنيفة كانت تعكس حجم الضغوط التي تعرض لها سوق الصرف، بينما تشير المرحلة الحالية إلى حالة من التوازن النسبي، رغم استمرار التأثر بالعوامل الخارجية.

وأكد أن العامل الرئيسي والمحرك الأبرز لسعر الصرف حاليًا يتمثل في تدفقات المستثمرين الأجانب، حيث يؤدي دخول هذه الأموال إلى زيادة المعروض من الدولار ومن ثم تراجع سعره، بينما يؤدي خروجها إلى ارتفاعه، ما يجعل السوق شديد الحساسية لهذه التحركات.

ما توقعات الفترة المقبلة؟ وهل يمكن أن يتراجع الدولار سريعًا؟

أوضح محمود نجلة أن تحسن قيمة الجنيه وعودته إلى مستويات أقل قد يحتاج إلى وقت، نظرًا لارتباطه بتطورات الاقتصاد الكلي، ونجاح الاتفاقات التي تدعم تدفقات النقد الأجنبي.

لكنه أشار في المقابل إلى أن تراجع الدولار قد يحدث بوتيرة سريعة، كما حدث في الارتفاع، حال دخول استثمارات أجنبية بكميات كبيرة، ما يخلق وفرة في المعروض داخل السوق ويدفع السعر للانخفاض بشكل ملحوظ.

وأضاف أن سوق الصرف أصبح أكثر ارتباطًا بحركة رؤوس الأموال الأجنبية، ما يجعله سريع التأثر صعودًا وهبوطًا في ظل استمرار تطبيق سياسة سعر الصرف المرن.

من هم الرابحون من ارتفاع الدولار مقابل الجنيه؟

بحسب محمد عبد العال، الخبير المصرفي، فإن ارتفاع الدولار يخلق مكاسب لعدد من القطاعات، في مقدمتها قطاع التصدير، حيث تصبح السلع المصرية أكثر تنافسية عالميًا، ويحقق المصدرون عوائد أكبر بالجنيه، ما يشجع على زيادة الإنتاج.

وأضاف أن قطاع السياحة يستفيد أيضًا، إذ يحصل السائح على قيمة أكبر مقابل عملته الأجنبية، ما يدفعه إلى زيادة الإنفاق والإقامة داخل مصر.

وأشار إلى استفادة قطاع العقارات، خاصة ما يعرف بـ”تصدير العقار”، حيث تصبح السوق المصرية أكثر جذبًا للمشترين الأجانب مع انخفاض قيمة الجنيه.

كما لفت إلى أن تحويلات المصريين بالخارج تشهد زيادة ملحوظة، مع اتجاه العاملين لتحويل أموالهم للاستفادة من فارق العملة، سواء للادخار أو الاستثمار.

وأوضح كذلك أن انخفاض العملة يعزز من جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر، نتيجة انخفاض تكلفة الدخول إلى السوق المصرية.

من هم الخاسرون من ارتفاع الدولار؟

في المقابل، أكد محمد عبد العال أن المستوردين يتصدرون قائمة المتضررين، نتيجة ارتفاع تكلفة استيراد السلع والخامات، وهو ما ينعكس على الأسعار داخل السوق المحلي.

كما أشار إلى أن الصناعات المعتمدة على مكونات مستوردة تواجه ضغوطًا كبيرة بسبب ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة التصنيع وربما تراجع الهوامش الربحية.

وأوضح محمد عبد العال أن الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة لا تركز على مستوى سعر الصرف بقدر ما تهتم بالاستقرار، حيث يسعى المستثمر لتحقيق أرباح رأسمالية إلى جانب عائد الفائدة، مع مراعاة مستوى المخاطر مقارنة بالأسواق الأخرى.

ماذا عن تحسن الجنيه وانخفاض الدولار؟

أشار محمد عبد العال إلى أن تحسن قيمة الجنيه يحمل فوائد لقطاعات أخرى، على رأسها سوق السيارات، حيث يؤدي انخفاض تكلفة الاستيراد إلى تراجع الأسعار وزيادة الطلب.

وأضاف أن هذا التحسن ينعكس إيجابيًا على التمويل الاستهلاكي، خاصة في مجالات التقسيط، مع زيادة الإقبال على الشراء نتيجة تحسن القدرة الشرائية.

وأكد عبد العال على أن تحركات سعر الصرف تحمل دائمًا وجهين؛ مكاسب لقطاعات وخسائر لأخرى، وأن تحقيق التوازن بينهما يعتمد على هيكل الاقتصاد وقدرته على استغلال مزايا العملة.

وأضاف أن مرونة سعر الصرف تمنح السوق قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، لكنها تتطلب في المقابل إدارة اقتصادية واعية لتعظيم المكاسب وتقليل الآثار السلبية، في ظل اقتصاد بات أكثر ارتباطًا بحركة رؤوس الأموال العالمية.

اقرأ أيضًا:

ارتفع في 10 بنوك.. سعر الدولار مقابل الجنيه بنهاية تعاملات اليوم