كتب- إبراهيم الهادي عيسى



07:13 م


29/04/2026



تعديل في 07:20 م

بعد مرور شهرين على اندلاع الحرب، لم تعد التداعيات محصورة في ساحات القتال أو أسواق الطاقة العالمية، بل امتدت بوضوح إلى الداخل المصري، حيث أعادت تسعير العملة، ورفعت تكلفة المعيشة، وفرضت واقعًا اقتصاديًا جديدًا يتسم بالتذبذب والضغوط التضخمية. ويكشف تحليل “مصراوي” لبيانات السوق وحركة الأسعار خلال هذه الفترة عن مسار متسلسل للصدمة، بدأ بانفجار سريع، ثم تحوّل إلى حالة من “الاستقرار القلق” التي ما تزال تهيمن على المشهد.

الجنيه.. من الهلع للاستقرار الحذر

مع الساعات الأولى لاندلاع الحرب، تعرّض الجنيه لضغوط حادة، حيث فقد نحو 12% من قيمته خلال ثلاثين يومًا فقط، مرتفعًا من مستوى 48.82 جنيه للدولار إلى ذروة يصل إلى 55 جنيها خلال الشهر الأول للحرب، وفقًا لبيانات السوق المصرفي. هذا التحرك العنيف عكس حالة من “الهلع الشرائي” في الأسواق، مدفوعة بسعي المستثمرين للتحوط السريع من المخاطر الجيوسياسية، وزيادة الطلب على العملة الصعبة.

ومع مرور 60 يومًا، بدأ الجنيه في استيعاب الصدمة تدريجيًا، ليتراجع الدولار من قمته التاريخية إلى نحو 53 جنيهًا حاليًا.

ورغم هذا التحسن النسبي، فإن بقاء العملة عند مستويات أعلى بنحو 4 جنيهات مقارنة بفترة ما قبل الحرب، يعكس انتقال الاقتصاد إلى ما يمكن وصفه بـ”واقع سعري جديد، ما تزال فيه الضغوط التضخمية قائمة.

كما تشير بيانات التداول إلى استمرار ضيق الفجوة بين سعري الشراء والبيع، وهو ما يعكس توفر السيولة الدولارية داخل القنوات الرسمية، إلا أن تذبذب السعر حول مستوى 52 جنيهًا يظل مرهونًا بتطورات المشهد العسكري، حيث قد يؤدي أي تصعيد جديد إلى إعادة اختبار مستويات 55 جنيهًا.

النفط.. الشرارة الأولى للأزمة

كانت أسواق الطاقة هي نقطة الانطلاق الحقيقية للأزمة الاقتصادية، فمع بداية الحرب بنهاية فبراير الماضي ومع أول يوم في مارس 2026 صعد سعر خام برنت إلى 75 دولارًا للبرميل، قبل أن يقفز خلال تسعة أيام فقط إلى 98.96 دولارًا، بزيادة تقارب 32%، في انعكاس مباشر لمخاوف تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز.

وخلال مرحلة الغليان بين منتصف مارس ومطلع أبريل 2026، استقر النفط فوق حاجز 100 دولار، مسجلًا ذروة بلغت 115.80 دولارًا في 30 مارس، وفقًا لبيانات الأسواق العالمية.

ويُعد بقاء الأسعار فوق هذا المستوى لثلاثة أسابيع متتالية العامل الأهم وراء الضغط على العملات المحلية، وفي مقدمتها الجنيه، نتيجة تضخم فاتورة استيراد الوقود وزيادة الطلب على الدولار.

ومع دخول أبريل الحالي، بدأت الأسعار في التراجع التدريجي نحو مستويات 90 دولارًا، قبل أن تعاود الصعود إلى 105.33 دولارًا بنهاية الشهر الحالي، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت تتعايش مع الحرب، لكنها ما تزال تسعّر مخاطر مرتفعة تمنع العودة إلى مستويات ما قبل النزاع.

التضخم.. ترجمة فورية للصدمة

انعكست تطورات الحرب الإيرانية سريعًا على الأسعار المحلية، إذ سجل معدل التضخم العام قفزة شهرية بلغت 3.2% في مارس الماضي، مقارنة بـ1.6% في الشهر نفسه من العام السابق، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وتمثل هذه الزيادة ترجمة مباشرة لارتفاع سعر الدولار، وانتقال تكلفة الاستيراد إلى الأسواق.وعلى أساس سنوي، ارتفع التضخم إلى 15.2% مقابل 13.4% في فبراير الماضي، بزيادة قدرها 1.8 نقطة مئوية خلال شهر واحد، ما يعكس تسارعًا ملحوظًا في وتيرة ارتفاع الأسعار.

ويكشف تحليل مكونات التضخم عن أن “صدمة العرض” كانت المحرك الرئيسي، إذ بلغ التضخم الأساسي 14%، ما يشير إلى امتداد موجة الغلاء إلى السلع والخدمات غير المتقلبة. في المقابل، سجلت السلع المحددة إداريًا ارتفاعًا شهريًا قدره 3.4%، وهو ما يعكس الأثر المباشر لارتفاع أسعار النفط، واضطرار الحكومة إلى تحريك أسعار الطاقة والخدمات المرتبطة بها.

الغذاء في مرمى الأزمة

كان قطاع الغذاء الأكثر تأثرًا بالصدمة إثر الحرب الإيرانية، إذ سجلت أسعار الخضروات والفاكهة ارتفاعًا شهريًا حادًا بلغ 16.8% في مارس الماضي، مقارنة بـ2.6% فقط في فبراير 2026. ويعكس هذا الارتفاع اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل فور اندلاع الحرب، بالتزامن مع قفزة أسعار الوقود.

كما أظهرت البيانات أن التضخم العام (3.2%) تجاوز التضخم الأساسي (2.0%) خلال مارس الماضي فقط، بفارق 1.2 نقطة مئوية، ما يؤكد أن ارتفاع الأسعار كان مدفوعًا بزيادة التكاليف، وليس بارتفاع الطلب الاستهلاكي.

تأتي زيادة أسعار الغذاء في ظل زيادة أسعار السولار والديزل، إذ ارتفع سعر اللتر من 17.5 جنيه في أكتوبر 2025 إلى 20.5 جنيه في مارس 2026، بزيادة قدرها 3 جنيهات دفعة واحدة، وهي من أكبر الزيادات في فترة زمنية قصيرة.

كما شهدت أسعار البنزين قفزة متزامنة خلال نفس الفترة، حيث ارتفع بنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيه، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا في مارس 2026. تعكس هذه الزيادات للوقود ارتباط التسعير المحلي بالتقلبات الجيوسياسية، إذ جاءت مباشرة مع تصاعد الحرب الإيرانية وبلوغ أسعار النفط مستويات مرتفعة، ما يشير إلى أن سوق الطاقة في مصر بات أكثر حساسية لأي اضطرابات إقليمية، وأن تكلفة هذه الصدمات تُترجم سريعًا إلى الداخل.

الذهب.. ملاذ آمن مؤجل

رغم كونه ملاذًا آمنًا تقليديًا، لم يسلم الذهب من تداعيات الصدمة الأولى، حيث تراجع خلال مارس الماضي من مستوى 5,311 دولار للأوقية إلى 4,392 دولار في 26 مارس الماضي. ويُعزى هذا الهبوط إلى اتجاه المستثمرين والأفراد لتسييل الذهب لتوفير السيولة الدولارية، في ظل الارتفاع الحاد في سعر العملة الأمريكية وتكاليف المعيشة.

ومع بداية أبريل الحالي، بدأ المعدن النفيس في التعافي تدريجيًا، ليقترب من مستويات 4,800 دولار للأوقية، مدفوعًا بعودة الطلب التحوطي. إلا أنه أغلق اليوم 28 أبريل عند 4,584 دولارًا للأوقية، ما يعني أنه ما يزال منخفضًا بنحو 13.6% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب الإيرانية، حين كان يتجاوز 5,300 دولار للأوقية.

اقتصاد تحت تأثير الحرب غير المباشرة

تكشف البيانات أن الاقتصاد المصري بعد 60 يومًا من الحرب وقع تحت ضغط مزدوج؛ خارجي تمثل في قفزة أسعار النفط إلى 115 دولارًا، وداخلي تمثل في صعود الدولار إلى ما فوق 54 جنيهًا. وبين هذين العاملين، انتقلت الصدمة سريعًا إلى التضخم، وأسعار الغذاء، وسلوك المستثمرين.ورغم نجاح السوق في امتصاص الصدمة الأولى، فإن المؤشرات الحالية تعكس حالة من استقرار قلق، حيث يظل مسار الاقتصاد مرهونًا بتطورات الحرب. فمع كل تصعيد محتمل، تبقى الأسواق مستعدة لإعادة تسعير المخاطر من جديد، ما يعني أن الأشهر المقبلة ستظل مفتوحة على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين التعافي التدريجي أو موجة جديدة من الضغوط.