في القاهرة، عادت الأضواء إلى واجهات المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم، وامتدت ساعات العمل إلى ما بعد منتصف الليل، بعد قرار إنهاء إجراءات الإغلاق المبكر التي فرضتها أزمة الكهرباء قبل شهر. للوهلة الأولى، يبدو المشهد وكأنه إعلان غير رسمي عن انحسار الأزمة.

لكن خلف هذا “الانفراج” الظاهري، تتشكل كلفة مختلفة، أقل وضوحا وأكثر امتدادا.

اقرأ أيضا

list of 3 itemsend of list

يقول محمود عبدالسلام، صاحب مطعم في وسط الجيزة: “نعم، عدنا نعمل ساعات أطول، لكن فاتورة الكهرباء والغاز زادت كثيرا… جزء كبير من الأرباح يذهب في ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والبضاعة”.

وبحسب رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، فإن الحكومة تتعامل مع الأزمة باعتبارها ممتدة وغير محددة النهاية، مع توقع استمرار آثارها الاقتصادية حتى نهاية العام الجاري حتى في حال انتهائها شكليًا.

فاتورة ضخمة

وكانت مصر قد أصدرت، نهاية مارس/آذار الماضي، قرارا بإغلاق المتاجر والمطاعم والمراكز التجارية عند الساعة التاسعة مساء في معظم أيام الأسبوع، في محاولة لاحتواء فاتورة الطاقة التي تضاعفت بفعل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

الأضواء تعود لواجهات المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم مع عودة ساعات العمل إلى ما بعد منتصف الليل (الجزيرة)

وكشف رئيس الوزراء المصري أن فاتورة الغاز الشهرية لمصر ارتفعت من نحو 560 مليون دولار قبل الحرب إلى 1.65 مليار دولار حاليا.

وفي 10 مارس/ آذار الماضي رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود، بنسب تتراوح بين 14% و30% بسبب “الظروف الاستثنائية” التي تمر بها أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار في كافة السلع والخدمات بنفس النسبة.

خفض التوقعات

هذا التباين بين عودة النشاط وارتفاع الكلفة يلخص مسار الاقتصاد المصري حاليا. فبينما خفضت توقعات النمو إلى نحو 4.6% خلال العامين الماليين 2025/2026 و2026/2027، عاد صندوق النقد الدولي ليخفض تقديراته لنمو 2026 إلى 4.2%، في إشارة إلى أن الضغوط لم تتراجع، بل أعادت تشكيل نفسها.

بدوره خفض البنك المركزي المصري هذا الشهر توقعاته لنمو الاقتصاد خلال السنة المالية 2025-2026 إلى 4.9% مقارنة بـ5.1%.

اعتماد طاقي

في ملف الطاقة، اختارت الدولة رفع مخصصات استيراد الغاز إلى نحو 10 مليارات دولار أمريكي بالتزامن مع عودة إمدادات الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى مستوياتها الطبيعية قبل الحرب وهو ما خفف من وطأة الأزمة وساعد في إنهاء قرار الغلق، وفق تصريحات حافظ سلماوي رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك سابقا.

ودعا، في حديثه لـ”الجزيرة نت”، إلى ضرورة بناء احتياطي استراتيجي من الغاز، مشيرا إلى أن مصر لا تمتلك مخزونا لمواجهة تكرار أزمات انقطاع الإمدادات.

رفع مخصصات استيراد الغاز إلى نحو 10 مليارات دولار مع عودة إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مستويات ما قبل الحرب (الجزيرة)

استمرار الأزمة

بينما يرى الخبير الاقتصادي أحمد خزيم، رئيس منتدى التنمية والقيمة المضافة، في تصريحات للجزيرة نت، أن “القرار أنهى فعليا قيود الإغلاق، لكنه في المقابل نقل العبء إلى فاتورة الاستيراد، بما تحمله من ضغط على العملة الأجنبية والأسعار”.

يقول أحمد شوقي، صاحب مخبز في الجيزة: “الشغل زاد، لكن الاستهلاك أيضا… يعني نحن نجري في مكاننا، لا خسرانين ولا كسبانين زي الأول.”

على مستوى الأسر، تبدو الصورة أكثر تضررا. تقول نجلاء أحمد، موظفة: “أصبحنا نخرج ونتحرك أكثر، لكن كل شيء أصبح أغلى… نشعر بتكلفة الكهرباء والوقود في كل شيء نشتريه، إنتهاء قرار الغلق لم ينهي المشكلة”.

تكلفة الكهرباء والوقود تنعكس على أسعار السلع الأساسية (الجزيرة)

بدائل محدودة

بالتوازي، تعمل الحكومة -تدريجيًا- على خفض وارداتها من الغاز، من خلال مزيج من السياسات التي تجمع بين ترشيد الاستهلاك، وزيادة الإنتاج المحلي، والتوسع في مصادر الطاقة البديلة. خطوة تعكس توجها استراتيجيا، لكنها لا تقدم حلا فوريا لأزمة قائمة الآن.

في هذا السياق، أكد سلماوي، في تصريحات لـ”الجزيرة نت”، أن التوسع في الطاقة المتجددة يرتبط بقدرة الدولة على جذب الاستثمارات لهذا القطاع، مع مراعاة تحديات تنفيذ هذه المشروعات والمدة الزمنية اللازمة لها، والتي لا تقل عن ثلاث سنوات لإضافة قدرات إنتاجية جديدة.

بلغت قدرة الطاقة المتجددة 9366 ميجاواط في 2025، مع استهداف طموح برفع مساهمتها إلى 45% من مزيج الطاقة بحلول 2028، بما يوفر نحو 7 مليارات دولار سنويًا من واردات الغاز.

توريد القمح

في الغذاء، تتكرر المعادلة نفسها. تسعى الدولة إلى تقليص الاعتماد على الاستيراد عبر شراء القمح المحلي بسعر أعلى، ضمن مستهدف يبلغ 5 ملايين طن وهو الأعلى من نوعه.

يقول محمد شطا، رئيس الإدارة المركزية لمديريات الزراعة، إن مصر حققت رقما قياسيا في مساحة الأراضي المزروعة بالقمح هذا العام لتصل إلى 3.7 مليون فدان، متوقعا أن يبلغ الإنتاج المحلي نحو 10 ملايين طن.

ويضيف “للجزيرة نت”: “أن الدولة تستهدف توريد 5 ملايين طن من هذا الإنتاج لصالح منظومة الخبز المدعم، بما يغطي نحو 60% من احتياجات إنتاج الرغيف المدعم”، لافتًا إلى أن هذه الإجراءات توفر احتياطيا استراتيجيا من القمح يكفي لمدة تتراوح بين 6 و7 أشهر، ما يعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات العالمية وتأثر سلاسل الإمداد.

مصر حققت رقما قياسيا في مساحة الأراضي المزروعة بالقمح هذا العام لتصل إلى 3.7 مليون فدان(الجزيرة)

بين أزمة ارتفاع تكلفة الطاقة والغذاء، لا يبدو أن الأزمة تنحسر بقدر ما يعاد توزيعها. الدولة تخفف الضغط المباشر على الشارع—لا انقطاع كهرباء، توافر في السلع—لكن مقابل كلفة متصاعدة في الاستيراد والدعم، تنعكس تدريجيًا على الأسعار والقدرة الشرائية.

تداعيات مستمرة

يلخص خزيم، هذا التحول بقوله: “لا تعيش مصر خروجا واضحا من أزمة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، بقدر ما تدير توازنا هشا بين تهدئة الشارع وتحمل كلفة اقتصادية متزايدة في الوقت الذي لا تلوح فيه بوادر حقيقة لإنهاء الحرب وإن انتهت فإن تداعياتها سوف تستمر لبعض الوقت وإن تصاعدت ستنفجر بالونة الأزمة.

مشيرًا إلى أن موارد مصر الدولارية من تحويلات المصريين بالخارج وقناة السويس والسياحة قد تتأثر بشكل ملحوظ، وهو ما قد ينعكس على سعر صرف الجنيه أمام الدولار الذي يتجاوز حاليًا 52 جنيهًا، وبالتالي يساهم في زيادة وتيرة الغلاء.

سعر صرف الجنيه أمام الدولار يتجاوز حاليا 52 جنيها وسط مخاوف من تداعيات الحرب على موارد مصر الدولارية (الجزيرة)

ويرى الخبير الاقتصادي أن الدولة مطالبة بالحفاظ على الاستقرار المالي من جهة، واحتواء الضغوط الاجتماعية المتزايدة من جهة أخرى في ظل هشاشة اقتصادية لا يمكن تحملها لفترات ممتدة.

في وقت أظهرت فيه بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) تسارع التضخم السنوي في المدن إلى 15.2% في مارس/آذار مقابل 13.4% في فبراير/شباط الماضي.

ويبقى السؤال مفتوحا:هل تنجح هذه المعادلة في شراء الوقت إلى حين تحسن الظروف الإقليمية والاقتصادية، أم أن الضغوط ستعود في صورة أكثر حدة، حين تصبح كلفة الاحتواء نفسها عبئًا يصعب تحمله؟.