تعكس تجربة الاقتصاد المصرى خلال السنوات الأخيرة، تحولًا هيكليًا مهمًا فى إدارة الصدمات الخارجية، مدفوعًا بالانتقال إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، وهو ما تجلَّى بوضوح عام 2026 مقارنة بالتحديات التى واجهها الاقتصاد خلال عام 2022.. ففى عام 2022، لم يكن نظام سعر الصرف يتمتع بالمرونة الكافية للتكيّف مع الضغوط الخارجية، خاصة فى ظل تشديد الأوضاع المالية العالمية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، الأمر الذى أسهم فى خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية بنحو 22 مليار دولار، إلى جانب ضغوط ملحوظة على الاحتياطيات الدولية التى تراجعت إلى نحو 34 مليار دولار.. ومع تصاعد هذه الضغوط، جاء تصحيح سعر الصرف فى صورة تخفيضات حادة ومتتالية، ترتَّب عليها موجة تضخمية بلغت ذروتها عند نحو 38٪ فى سبتمبر 2024، وتسجيل صافى الأصول الأجنبية عجزًا يُقدّر بنحو 20 مليار دولار.
فى المقابل، يعكس عام 2026 نتائج تبنى نظام أكثر مرونة، حيث أُتيح لسعر الصرف التكيّف التدريجى مع المتغيرات، ليسجل الجنيه انخفاضًا بنحو 14٪ بصورة منظمة، بما ساهم فى الحد من التقلبات وتجنّب الصدمات المفاجئة، فضلًا عن تقليص مخاطر خروج رؤوس الأموال.. وقد انعكس ذلك إيجابيًا على المؤشرات الخارجية، حيث ارتفعت الاحتياطيات الدولية لتسجل نحو 52.8 مليار دولار فى مارس 2026، بمعدل نمو سنوى مركب يُقدَّر بنحو 11.7٪ منذ عام 2022، كما تحوّل صافى الأصول الأجنبية إلى فائض بلغ نحو 27.4 مليار دولار.. كما تراجع الاعتماد على التدخل المباشر فى سوق الصرف، لتؤدى الاحتياطيات دورها كأداة وقائية، بالتوازى مع توحيد سعر الصرف واختفاء السوق الموازية، وهو ما أسهم فى تعزيز الشفافية وتحسين ثقة المستثمرين.
وعلى الصعيد الخارجى، أسهمت مرونة سعر الصرف فى دعم آليات التصحيح الاقتصادى، من خلال ترشيد الطلب على الواردات وتعزيز تنافسية الصادرات والسياحة والتحويلات، بما ساعد على امتصاص أثر الصدمات بشكل تدريجى ومنظم.. ورغم ذلك، تظل تكلفة المرونة قائمة، فى ظل انتقال أثر تحركات سعر الصرف إلى الأسعار المحلية، خاصة فى اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، إلا أن الضغوط التضخمية عام 2026 جاءت أكثر تدريجية وقابلية للإدارة مقارنة بالصدمة التى شهدها الاقتصاد خلال الفترة السابقة.
وفى المحصلة، لم تُلغِ مرونة سعر الصرف، التعرّض للصدمات الخارجية، لكنها أعادت تشكيل آليات انتقالها بما يعزز الاستقرار الكلى ويحد من الاختلالات، وتزداد أهمية هذا التحوّل فى ظل بيئة خارجية أكثر تعقيدًا، مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز ١٠٠ دولار للبرميل، مقارنةً بنحو 85 دولارًا خلال أزمة 2022، إلى جانب اضطرابات فى سلاسل الإمداد العالمية أشد وطأة مما كانت عليها إبان الحرب الروسية الأوكرانية.
وانطلاقًا من ذلك، فإن تحقيق الاستفادة الكاملة من مرونة سعر الصرف يتطلب مواكبتها بإعادة هيكلة النموذج الاقتصادى باتجاه «الاقتصاد الحقيقى»، من خلال تعزيز دور الاستثمارات الأجنبية المباشرة وزيادة الصادرات، خاصة فى ظل محدودية مساهمتهما الحالية التى لا تتجاوز نحو 14٪ من الناتج المحلى الإجمالى.
وفى المقابل، لا يزال الاقتصاد يعتمد بدرجة ملحوظة على مصادر أكثر عُرضة للتقلبات الخارجية، تشمل تحويلات العاملين بالخارج، وإيرادات السياحة، والاستثمارات قصيرة الأجل، إلى جانب إيرادات قناة السويس، والتى تمثل مجتمعة نحو 19٪ من الناتج المحلى الإجمالى، وهو ما يعكس مستوى من التعرض للصدمات الخارجية.
ومن ثم، تبرز أهمية تبنى إصلاحات هيكلية تستهدف توسيع قاعدة القطاع الخاص وتعزيز دوره كمحرك رئيسى للنمو والتشغيل، بالتوازى مع تنفيذ برنامج واضح ومنضبط لانسحاب الدولة التدريجى من بعض الأنشطة الاقتصادية، بما يتيح بيئة أكثر تنافسية ويعزز كفاءة تخصيص الموارد.