الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لقطاع الطيران خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً كانت أكبر بكثير من خسائر الحرب الأولى التي استمرت 12 يوماً. وتشير التقديرات المعلنة بشأن الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل إلى أن قيمة الخسائر تجاوزت ستة آلاف مليار تومان (40 مليون دولار)، ما يرجح أن تكون خسائر الحرب الثانية قد بلغت عدة أضعاف هذا الرقم.
شهد سوق الرحلات الجوية الداخلية في إيران خلال العام الماضي واحدة من أكثر مراحله تقلباً، إذ تزامن ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية مع القفزة في أسعار وقود الطائرات، وارتفاع تكاليف الصيانة وتأمين قطع الغيار، وتراجع القدرة التشغيلية لأسطول الطيران، فضلاً عن الاضطرابات الناجمة عن المواجهات العسكرية. وقد انعكست هذه العوامل مجتمعة على السعر النهائي للتذاكر، وأدت إلى زيادات متتالية في الأسعار، جعلت السفر جواً خارج القدرة المالية لشريحة واسعة من المواطنين.
وتظهر مراجعة منصات بيع تذاكر الرحلات الداخلية أن السوق اتجه عملياً نحو مزيد من تحرير الأسعار. ومنذ ذلك الحين، لا يزال الخلاف قائماً بين شركات الطيران والهيئات الرقابية والجهات المسؤولة بشأن مفهوم تحرير السوق، والتسعير الإلزامي، وحدود الصلاحيات الممنوحة لشركات الطيران في تحديد أسعار التذاكر.
وتسارعت وتيرة ارتفاع أسعار تذاكر الطيران خلال عام 2025 والأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026. وتشير تقارير متعددة إلى أن الأسعار شهدت زيادات متتالية، إذ بلغ السعر الرسمي، أو السعر المعروض، لتذكرة رحلة طهران – مشهد، وفق بعض قوائم الأسعار الصادرة عام 2024، نحو مليون و300 ألف تومان، أي ما يعادل نحو 8.7 دولارات.
غير أن أسعار التذاكر واصلت الارتفاع بوتيرة متسارعة خلال خريف عام 2025، إذ ارتفع سعر تذكرة الرحلة بين طهران ومشهد إلى نحو 4.7 ملايين تومان (31 دولاراً)، قبل أن يتجاوز في بعض الحالات ستة ملايين تومان (40 دولاراً). ولم يتوقف منحنى الارتفاع عند هذا الحد، إذ تجاوز سعر التذكرة خلال الفترة الممتدة من أواخر يناير (كانون الثاني) إلى أواخر فبراير (شباط) 2026 9 ملايين تومان، أي ما يعادل نحو 60 دولاراً، وفق بعض قوائم الأسعار ومنصات بيع التذاكر.
وفي الفترة الممتدة بين أبريل (نيسان) ومايو (أيار) 2026، اعترفت منظمة الطيران المدني الإيرانية، على لسان معاون شؤون الطيران فيها، بالارتفاع المفاجئ في أسعار الرحلات الداخلية، وعزت ذلك إلى الأضرار التي لحقت بقطاع الطيران جراء الحرب. وأوضح المسؤول أن إعادة تأهيل البنية التحتية للمطارات، إلى جانب استبدال الطائرات المتضررة، ستتم تدريجاً، وهو ما أدى إلى تراجع عدد الرحلات المتاحة، وبالتالي استمرار الضغوط التصاعدية على أسعار التذاكر.
وعلى سبيل المثال، عرض موقع “تي تشارتر”، في 27 أبريل 2026، تذكرة للرحلة بين طهران ومشهد على الدرجة السياحية بسعر 9 ملايين تومان، أي نحو 60 دولاراً. كما عرض الموقع تذكرة على درجة رجال الأعمال للخطوط الجوية الإيرانية “إيران إير”، على متن طائرة من طراز إيرباص A320، بسعر بلغ نحو 13 مليوناً و200 ألف تومان، أي ما يعادل قرابة 88 دولاراً.
ارتفاع الأسعار وتراجع أعداد المسافرين
أدى الارتفاع الكبير في أسعار تذاكر الطيران إلى تراجع حاد في أعداد المسافرين، ووضع شركات الطيران أمام أزمة في تعويض خسائرها، وهو ما انعكس، حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة، في انخفاض أعداد المتقدمين لحجز الرحلات الداخلية.
وفي مارس (آذار) 2026، أعلن أمين عام جمعية شركات الطيران انخفاض عدد ركاب الرحلات الداخلية بنسبة 10 في المئة، وتراجع ركاب الرحلات الدولية بنسبة 20 في المئة، خلال الفترة الممتدة من مارس 2025 حتى نهاية يناير 2026.
وقال مقصود أسعدي ساماني إن اقتصاد قطاع الطيران في البلاد يعاني مشكلات ويواجه أوضاعاً غير مواتية، في ظل غياب الطلب في السوق وصعوبة بيع الشركات تذاكرها.
وخلال هذه الفترة، تجاوز ارتفاع أسعار التذاكر بفارق كبير معدل التضخم العام لأسعار المستهلك. وحتى مع مراعاة الفروق بين الأسعار الرسمية القديمة، والسقوف السعرية المعلنة، وأسعار التذاكر المتغيرة، والأسعار المسجلة في أيام ذروة الطلب، فإن الزيادة التي تجاوزت ضعفين إلى ثلاثة أضعاف على بعض الخطوط تظهر أن سوق النقل الجوي واجه تضخماً قطاعياً أشد من متوسط التضخم في الاقتصاد.
وبعبارة أخرى، لا تمثل ضغوط التكلفة في قطاع الطيران انعكاساً للتضخم العام فحسب، بل تتأثر أيضاً بالقفزات في أسعار الصرف، ومحدودية المعروض، والصدمات الأمنية.
وتظهر مراجعة آخر قائمة رسمية للأسعار، الصادرة في شتاء 2025-2026، أن سعر الرحلات من طهران إلى تشابهار وبندر عباس تجاوز 10 ملايين تومان (67 دولاراً)، فيما بلغ سعر الرحلة من طهران إلى أصفهان نحو 6 ملايين تومان (40 دولاراً).
ولم تستعد هذه الخطوط طاقتها السابقة حتى الآن بسبب الأضرار التي لحقت بالمطارات بعد الحرب، ما يحول دون تحديد أسعارها الجديدة بصورة قاطعة.
ولا تقتصر المسألة على ارتفاع أسعار تذاكر الرحلات الداخلية، إذ شهدت الرحلات الدولية أيضاً زيادات كبيرة خلال العام الماضي. فقد ارتفع سعر الرحلة من طهران إلى سلطنة عمان من نحو 7 ملايين تومان (47 دولاراً) في مارس 2026 إلى أكثر من 20 مليون تومان (133 دولاراً) خلال الفترة الممتدة بين أواخر مايو وأواخر يونيو (حزيران) 2026، مسجلاً زيادة تقارب ثلاثة أضعاف.
بنية تحتية متضررة وخسائر بالمليارات
إلى جانب العوامل الاقتصادية، تعرض قطاع الطيران الإيراني لصدمة مباشرة وغير مباشرة جراء جولتي المواجهة العسكرية الأخيرتين. ففي الحرب التي استمرت 12 يوماً عام 2025، أدى الإغلاق الواسع للمجال الجوي وتعليق أو إلغاء عدد كبير من الرحلات الداخلية والدولية إلى تراجع حاد في إيرادات شركات الطيران والمطارات. كما جرى نقل جزء من الأسطول الجوي إلى مواقع أكثر أماناً أو إخراجه من الخدمة موقتاً حفاظاً على سلامته، في وقت اضطرت فيه الشركات إلى مواصلة دفع رواتب العاملين، وتحمل تكاليف صيانة الطائرات والوفاء بالتزاماتها التشغيلية، رغم توقف الإيرادات.
وقال محمود مهران بور، الخبير في صناعة الطيران الإيرانية، إن تقييم الحجم النهائي للأضرار التي لحقت بالمطارات والطائرات عقب الهجمات الأخيرة، وانعكاساتها على مستقبل القطاع، لا يزال يتطلب بيانات دقيقة، مشيراً إلى أن المعلومات النهائية بشأن حجم الخسائر لم تكتمل حتى الآن.
وأضاف أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لقطاع الطيران خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً كانت أكبر بكثير من خسائر الحرب الأولى التي استمرت 12 يوماً. وتشير التقديرات المعلنة بشأن الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل إلى أن قيمة الخسائر تجاوزت ستة آلاف مليار تومان (40 مليون دولار)، ما يرجح أن تكون خسائر الحرب الثانية قد بلغت عدة أضعاف هذا الرقم.
شاهد ايضاً
ولا تقتصر التداعيات الاقتصادية للحرب على تكاليف إصلاح المدارج أو المعدات، بل تمتد إلى آثار أوسع تشمل إغلاق المجال الجوي، وتراجع ثقة المسافرين، وإلغاء الرحلات، وارتفاع تكاليف التأمين، وإعادة توزيع الأسطول الجوي، وتوقف مبيعات التذاكر، وتأخر استعادة شبكة الرحلات لطاقتها الطبيعية، وهي عوامل مجتمعة أوجدت خسائر متراكمة على مستويات متعددة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي سوق يعاني أصلاً نقصاً في عدد الطائرات العاملة، فإن خروج عدد من الطائرات من الخدمة، سواء بصورة موقتة أو دائمة، يؤدي إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب، ويمهد لارتفاعات حادة في أسعار التذاكر، ولا سيما خلال مواسم الذروة.
وشكل ارتفاع أسعار وقود الطائرات أحد أبرز عناصر زيادة تكاليف التشغيل خلال العام الماضي. فبحسب تعميم صادر عن الشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع المشتقات النفطية، ارتفع سعر لتر وقود الطائرات المخصص لشركات الطيران المحلية من نحو 600 تومان (0.004 دولار) عام 2024 إلى 11 ألفاً وثلاثة تومانات (0.07 دولار) عام 2025، قبل احتساب ضريبة القيمة المضافة. ومع إضافة الضريبة، ارتفع السعر إلى نحو 14 ألفاً و300 تومان للتر الواحد (0.10 دولار)، أي بزيادة اسمية تجاوزت 20 ضعفاً مقارنة بالعام السابق.
ورغم ذلك، تؤكد شركات الطيران أن الوقود لا يمثل سوى جزء من الأزمة. فبحسب أحد مسؤولي منظمة الطيران المدني الإيرانية، ترتبط نحو 90 في المئة من تكاليف تشغيل شركات الطيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بسعر الصرف، إذ تعتمد عمليات شراء قطع الغيار، وصيانة المحركات، واستئجار الطائرات، والتأمين، والتدريب التخصصي، وتحديث المعدات، وجزء من الخدمات الفنية، على العملات الأجنبية.
كما أسهمت العقوبات الدولية في تعقيد عمليات تأمين قطع الغيار، وإطالة أمدها ورفع تكلفتها، ما أدى في كثير من الأحيان إلى بقاء بعض الطائرات خارج الخدمة لأشهر عدة بانتظار الحصول على قطعة غيار واحدة.
3 أعوام من الجدل حول تسعير التذاكر
يرى خبراء قطاع الطيران أن الارتفاع الكبير في أسعار تذاكر السفر الجوي يعود إلى تداخل مجموعة من العوامل، أبرزها نقص الطائرات القابلة للتشغيل، وتقادم الأسطول، وارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية، وزيادة تكاليف الصيانة، والقفزة الكبيرة في أسعار وقود الطائرات، إلى جانب ضعف الاستثمار في قطاع الطيران.
ومن وجهة نظر شركات الطيران، فإن استمرار فرض تسعيرة حكومية في وقت تسدد فيه غالبية النفقات التشغيلية بالعملة الأجنبية، سواء وفق سعر السوق أو سعر الصرف الرسمي، يؤدي إلى تراكم الخسائر، وتقليص الإنفاق على أعمال الصيانة، بما قد ينعكس سلباً على معايير السلامة. وتؤكد هذه الشركات أن أسعار التذاكر ينبغي أن تحدد وفق آليات العرض والطلب، وبما يعكس الكلفة الحقيقية لتشغيل كل مقعد على الرحلات الجوية.
في المقابل، تحذر الجهات الرقابية وجمعيات حماية المستهلك من أن تحرير الأسعار في سوق يعاني ضعف المنافسة ونقصاً في المعروض لن يؤدي بالضرورة إلى تعزيز المنافسة أو خفض الأسعار. ففي ظل محدودية عدد المقاعد المتاحة مقارنة بحجم الطلب، تمنح حرية التسعير شركات الطيران هامشاً واسعاً لرفع الأسعار، ولا سيما خلال العطل والمواسم التي تشهد إقبالاً مرتفعاً على السفر.
وقد عززت تقارير عديدة هذه المخاوف، بعدما رصدت بيع تذاكر بأسعار تجاوزت السقوف المعلنة، أو رفع الأسعار قبل الحصول على موافقة الجهات المختصة.
ويعود الخلاف بشأن آلية تسعير التذاكر إلى عامي 2022 و2023. ففي أكثر من مناسبة، طالبت شركات الطيران برفع الأسعار، وبعد رفض مجلس تنظيم السوق أو تأخره في الموافقة، عمدت بعض الشركات إلى زيادة الأسعار عبر منصات بيع التذاكر.
وفي الفترة الممتدة بين أبريل ومايو 2023، وافقت السلطات على زيادة تقارب 29 في المئة، إلا أن تقارير لاحقة أشارت إلى أن بعض شركات الطيران واصلت بيع التذاكر بأسعار تجاوزت السقف الرسمي، مستفيدة من الرحلات العارضة (تشارتر) أو من تغيير فئات الحجز.
واستمر هذا الجدل خلال عام 2025 مع تطبيق زيادات متتالية على أسعار التذاكر. ففي الوقت الذي شددت فيه منظمة حماية المستهلك وبعض المسؤولين الحكوميين على ضرورة ضبط الأسعار ومنع الزيادات غير المبررة، بررت شركات الطيران رفع الأسعار بارتفاع سعر الصرف الرسمي، وزيادة أسعار الوقود والخدمات التشغيلية.
من جهتها، أعلنت منظمة الطيران المدني الإيرانية اتخاذ إجراءات بحق الشركات التي رفعت الأسعار بصورة غير منضبطة، في خطوة عكست استمرار الغموض، حتى بعد تحرير السوق، بشأن الحدود الفاصلة بين التسعير المرن المسموح به والمغالاة غير القانونية في الأسعار.
ويرى خبراء القطاع أن سوق تذاكر الطيران سيظل عرضة لتضخم يفوق متوسط التضخم في الاقتصاد الإيراني ما لم يزد عدد المقاعد المتاحة، وتخفف الضغوط الناجمة عن ارتفاع التكاليف التشغيلية والاعتماد الكبير على العملات الأجنبية.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن أي صدمة جديدة، سواء تمثلت في ارتفاع إضافي في أسعار الصرف أو الوقود، أو في الإغلاق الموقت للمجال الجوي نتيجة التطورات الأمنية، قد تنعكس مباشرة على أسعار التذاكر، بما يجعل السفر الجوي، أكثر من أي وقت مضى، خدمة لا يستطيع تحمل تكلفتها سوى أصحاب الدخول المرتفعة.
نقلاً عن “إندبندنت فارسية”








