بدأت الأسواق المصرية في استيعاب تداعيات التصعيد العسكري المتواصل في الخليج والشرق الأوسط، بعدما سجلت تعاملات الثلاثاء تراجعًا في أداء البورصة، وارتفاعًا في سعر الدولار مقابل الجنيه، فيما حافظ الذهب على مستوياته المرتفعة، بالتزامن مع صعود أسعار النفط العالمية.
طارق عواد : ملف الغاز إلى مصر على طاولة الحسم في إسرائيل… ومخاوف من تداعيات على أمن الطاقة
ويرى محللون اقتصاديون أن عودة التوترات الجيوسياسية إلى المنطقة أعادت حالة عدم اليقين إلى الأسواق، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى موجة جديدة من الضغوط التضخمية وارتفاع تكلفة الواردات، خاصة في قطاع الطاقة.
الدولار يواصل الارتفاع أمام الجنيه
واصل الدولار الأميركي مكاسبه أمام الجنيه المصري، ليسجل في البنك المركزي نحو 50.16 جنيهًا للشراء و50.30 جنيهًا للبيع، فيما تراوحت الأسعار في البنوك التجارية بين 50.14 و50.27 جنيهًا للشراء، و50.24 و50.37 جنيهًا للبيع، مع تسجيل أعلى المستويات في عدد من البنوك الخاصة.
ويرى مراقبون أن التحركات الحالية لا ترتبط بالعوامل المحلية فقط، وإنما تعكس أيضًا قوة الدولار عالميًا، في ظل توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، إلى جانب المخاوف من تأثير ارتفاع أسعار النفط على احتياجات مصر من النقد الأجنبي.
النفط يقود المخاوف الاقتصادية
تزامن ارتفاع الدولار مع صعود أسعار الطاقة عالميًا، إذ ارتفع خام برنت إلى نحو 86 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى له في نحو أربعة أسابيع، كما سجلت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا مكاسب ملحوظة مع استمرار المخاوف بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويشير خبراء إلى أن الاقتصاد المصري يعد من أكثر اقتصادات المنطقة تأثرًا بارتفاع أسعار الطاقة، نظرًا لانعكاس ذلك على فاتورة الواردات، وتكاليف الإنتاج، ومستويات التضخم، وهو ما قد يحد من هامش المناورة أمام صناع القرار الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
البورصة تتراجع بعد مكاسب قياسية
انعكست حالة الترقب على أداء سوق المال المصرية، حيث تراجع المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة تقارب 0.4% في التعاملات الصباحية، بعد موجة صعود قوية دفعت القيمة السوقية للأسهم إلى مستويات قياسية خلال الجلسات الماضية.
ويرى متابعون أن التراجع الحالي يعكس عمليات جني أرباح طبيعية بعد الارتفاعات الأخيرة، أكثر من كونه تحولًا في اتجاه السوق، مشيرين إلى أن المؤشر لا يزال يتحرك ضمن نطاق مستقر نسبيًا، مع بقاء شهية المستثمرين تجاه الأسهم المصرية مدعومة بالإصلاحات الحكومية وخطط الطروحات الجديدة.
وفي المقابل، يحذر محللون من أن استمرار التوترات الإقليمية قد يدفع المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول عالية المخاطر إذا اتسعت دائرة المواجهة العسكرية أو استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع.
الذهب يحافظ على جاذبيته
في سوق المعادن النفيسة، استقرت أسعار الذهب محليًا عند مستويات مرتفعة، مدعومة بارتفاع الدولار واستمرار الطلب العالمي على أصول الملاذ الآمن.
شاهد ايضاً
وسجل غرام الذهب عيار 24 نحو 6685 جنيهًا، فيما بلغ سعر عيار 21، الأكثر تداولًا في السوق المصرية، نحو 5850 جنيهًا، بينما وصل سعر الجنيه الذهب إلى نحو 46.8 ألف جنيه.
ويرى مراقبون أن استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية يبقي الذهب أحد أبرز الخيارات الدفاعية للمستثمرين، خاصة إذا استمرت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في التأثير على أسواق الطاقة.
مؤشرات الاقتصاد.. نقاط قوة وضغوط متزايدة
ورغم التقلبات الأخيرة، لا تزال بعض المؤشرات الاقتصادية المصرية تسجل أداءً إيجابيًا، إذ ارتفعت تحويلات المصريين العاملين في الخارج، وزادت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، كما واصلت إيرادات السياحة تحقيق نمو، إلى جانب تحسن إيرادات قناة السويس مقارنة بالفترات السابقة.
في المقابل، يلفت اقتصاديون إلى استمرار الضغوط الخارجية، مع اتساع عجز الميزان التجاري والحساب الجاري نتيجة ارتفاع تكلفة الواردات، وخاصة واردات الطاقة، إضافة إلى مدفوعات الفوائد وتحويل أرباح الشركات الأجنبية إلى الخارج.
ويرى محللون أن استمرار الحرب في المنطقة قد يؤخر تحسن هذه المؤشرات، خصوصًا إذا انعكس ارتفاع أسعار النفط على فاتورة الاستيراد أو على حركة التجارة العالمية.
هل يتغير مسار السياسة النقدية؟
تشير تقديرات خبراء الاقتصاد إلى أن البنوك المركزية، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، قد تتجه إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية وعدم وضوح مسار التضخم.
ويعتقد مراقبون أن هذا التوجه قد يفرض تحديات إضافية على الاقتصاد المصري، إذ يرفع تكلفة جذب الاستثمارات الأجنبية إلى أدوات الدين الحكومية، ويزيد من أعباء التمويل، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى الحفاظ على استقرار سوق الصرف وتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.
الاقتصاد المصري أمام اختبار جديد
يرى محللون أن التطورات الحالية تمثل اختبارًا جديدًا لقدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع صدمات خارجية متتالية، بعد سنوات شهدت اضطرابات في أسواق الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد.
ويشير متابعون إلى أن مستقبل الأسواق المصرية خلال الأشهر المقبلة سيظل مرتبطًا بمسارين متوازيين؛ الأول يتعلق بمآلات المواجهة العسكرية في الخليج وتأثيرها على أسعار النفط، والثاني بقدرة الحكومة المصرية على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والحفاظ على تدفق الاستثمارات الأجنبية، بما يحد من الضغوط على العملة المحلية ويعزز استقرار الأسواق.








