في وقت يعيش فيه الاقتصاد العالمي واحدة من أكثر مراحله اضطرابا منذ جائحة كورونا، نجحت الصادرات الهندسية المصرية في تحقيق أداء استثنائي، لتتحول إلى أحد أبرز محركات النمو في التجارة الخارجية، متجاوزة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، لتؤكد مكانتها باعتبارها “الحصان الأسود” للصادرات المصرية خلال عام 2026.


جاءت هذه النتائج في وقت خفضت فيه المؤسسات الاقتصادية الدولية توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي، محذرة من أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يفرض ضغوطا جديدة على التجارة الدولية، ويرفع تكاليف الشحن والطاقة والتأمين، ويبطئ حركة انتقال السلع بين القارات.


تباطؤ النمو العالمي إلى 3.1% خلال 2026
 


فقد توقع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو العالمي إلى 3.1% خلال 2026، وأشار الصندوق إلى أن الصراع في المنطقة يمثل أحد أكبر المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد حالة عدم اليقين في الأسواق.


وتتفق منظمة التجارة العالمية مع هذا التقييم، إذ ترى أن النزاع في الشرق الأوسط يهدد بخفض نمو التجارة العالمية إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، مع تعرض خدمات النقل وسلاسل الإمداد لضغوط متزايدة نتيجة اضطرابات الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز والبحر الأحمر.


كما حذر البنك الدولي من أن الحرب تسببت في أكبر صدمة لأسواق الطاقة منذ سنوات، مع توقع ارتفاع أسعار الطاقة بنحو 24% خلال العام الجاري، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج والنقل والتجارة الدولية، خاصة للدول المستوردة للطاقة.


ورغم هذه البيئة الاقتصادية المعقدة، جاءت أرقام قطاع الصناعات الهندسية المصري لتسير في الاتجاه المعاكس لهذه التطورات، إذ ارتفعت صادرات القطاع خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 6.6% لتصل إلى 3.348 مليار دولار، مقارنة مع 3.140 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، فيما قفزت صادرات شهر يونيو وحده بنسبة 67% لتبلغ 784.2 مليون دولار، في واحدة من أعلى معدلات النمو الشهرية التي يحققها القطاع خلال السنوات الأخيرة.


أعلى مستوى في تاريخ القطاع


ولا تبدو هذه الأرقام مجرد طفرة مؤقتة، بل امتدادا لمسار تصاعدي بدأ منذ عدة سنوات، فالصادرات الهندسية نجحت في تسجيل أرقام قياسية متتالية، كان أبرزها تحقيق نحو 6 مليارات دولار خلال 2025، وهو أعلى مستوى في تاريخ القطاع، قبل أن يواصل القطاع انطلاقته خلال 2026 مستهدفا الوصول إلى نحو 7.5 مليار دولار بنهاية العام، بما يعكس تحولا حقيقيا في قدرة الصناعة المصرية على المنافسة عالميا.


ويقول المهندس شريف الصياد، رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، إن ما حققه القطاع لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء نتيجة استراتيجية متكاملة اعتمدت على تنويع الأسواق، ورفع جودة المنتج، وزيادة القيمة المضافة، والتوسع في الصناعات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع.


وأضاف أن القطاع أثبت خلال السنوات الأخيرة أنه يمتلك مرونة كبيرة في التعامل مع المتغيرات الدولية، موضحا أن الشركات المصرية استطاعت الحفاظ على التزاماتها التصديرية رغم اضطرابات الشحن وارتفاع تكاليف النقل والخامات، وهو ما عزز ثقة المستوردين في المنتج المصري.


وأشار الصياد إلى أن تنويع الأسواق كان أحد أهم أسباب نجاح القطاع، إذ لم يعد الاعتماد على سوق بعينه، بل توسعت الصادرات إلى أوروبا والدول العربية وأفريقيا والولايات المتحدة، وهو ما خفف من تأثير أي تباطؤ اقتصادي في سوق محددة، وساعد على استمرار معدلات النمو.


زيادة عدد الشركات المصدرة


وأضاف أن المجلس يعمل حاليا على زيادة عدد الشركات المصدرة، والتوسع في الصناعات المغذية، وتعميق التصنيع المحلي، بما يقلل الاعتماد على المكونات المستوردة، ويرفع القدرة التنافسية للصناعة المصرية، مؤكدا أن الوصول إلى 7.5 مليار دولار صادرات خلال 2026 يمثل هدفا واقعيا في ظل المؤشرات الحالية، مع استمرار تنفيذ برامج البعثات التجارية واستضافة المشترين الدوليين وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري.


ولا يقتصر تميز القطاع الهندسي على نمو إجمالي الصادرات فقط، وإنما يمتد إلى تنوع القطاعات التي قادت هذا النمو، وهو ما يعكس اتساع القاعدة الإنتاجية للصناعة الهندسية المصرية وقدرتها على المنافسة في منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة.


وأظهرت بيانات المجلس التصديري للصناعات الهندسية، أن الصناعات الكهربائية والإلكترونية تصدرت القطاعات الأكثر نموا خلال النصف الأول من عام 2026 بزيادة بلغت 65%، مدفوعة بارتفاع الطلب في عدد من الأسواق الأوروبية والعربية، بينما سجل قطاع الطلمبات والمراجل والمحركات نموا بنسبة 31%، والكابلات بنسبة 23%، ومكونات السيارات بنسبة 22%، فيما ارتفعت صادرات أدوات المائدة والمطبخ بنسبة 9%، والأجهزة المنزلية بنسبة 2%.


هيكل الصادرات المصرية


ويرى أعضاء المجلس التصديري للصناعات الهندسية، أن هذه المؤشرات تعكس تحولا تدريجيا في هيكل الصادرات المصرية، إذ لم تعد الصناعات الهندسية تعتمد على المنتجات التقليدية فقط، بل أصبحت تحقق حضورا متزايدا في الصناعات التكنولوجية ومستلزمات الصناعات الثقيلة ومكونات السيارات، وهي قطاعات تتميز بارتفاع قيمتها المضافة وقدرتها على تحقيق عائد تصديري أكبر.


وعلى مستوى الأسواق الخارجية، واصل القطاع الهندسي توسيع انتشاره الجغرافي خلال العام الجاري، حيث سجلت الصادرات نموا في عدد كبير من الأسواق الأوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وإسبانيا والتشيك والنمسا وبولندا ورومانيا وتركيا، كما ارتفعت الصادرات إلى عدد من الأسواق العربية، في مقدمتها المملكة العربية السعودية والمغرب والكويت ولبنان والسودان وتونس وسوريا وقطر.


وامتد النمو أيضا إلى الأسواق الأفريقية، خاصة الكاميرون وجنوب أفريقيا وغانا وإثيوبيا، إلى جانب زيادة الصادرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية والأرجنتين، وهو ما يعكس نجاح الشركات المصرية في تقليل الاعتماد على أسواق محددة، وتوزيع المخاطر المرتبطة بالتقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.


ويؤكد المهندس محمد العايدي، وكيل المجلس التصديري للصناعات الهندسية، أن الأداء القوي للقطاع خلال السنوات الأخيرة يعكس نجاح استراتيجية طويلة المدى اعتمدت على تطوير قدرات الشركات المصدرة، ورفع جودة المنتج المصري، وتعزيز الالتزام بالمواصفات العالمية.


وأضاف أن القطاع لم يعد ينافس فقط على أساس السعر، وإنما أصبح ينافس في الجودة والابتكار وسرعة التسليم وخدمات ما بعد البيع، وهي عوامل ساعدت الشركات المصرية على الحفاظ على عملائها، وجذب مستوردين جدد رغم المنافسة القوية من الأسواق الآسيوية والأوروبية.


وأشار “العايدي” إلى أن الأحداث الجيوسياسية الحالية فرضت تحديات كبيرة على التجارة الدولية، سواء من خلال ارتفاع تكاليف الشحن أو التأمين أو الخامات، إلا أن الشركات المصرية استطاعت التعامل مع هذه المتغيرات بمرونة، مستفيدة من قرب مصر الجغرافي من العديد من الأسواق، ومن شبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بالدول العربية وأفريقيا وأوروبا.


زيادة الاستثمارات في الصناعات المغذية
 


وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب زيادة الاستثمارات في الصناعات المغذية، وتعميق التصنيع المحلي، ورفع نسبة المكون المحلي، بما يعزز قدرة الشركات على مواجهة التقلبات العالمية ويحد من تأثير اضطرابات سلاسل الإمداد.


وتشير بيانات المجلس التصديري للصناعات الهندسية إلى أن أداء القطاع خلال الأعوام الأربعة الأخيرة يعكس اتجاها تصاعديا واضحا، إذ واصلت الصادرات تسجيل مستويات قياسية عاما بعد آخر، مدعومة بزيادة أعداد الشركات المصدرة، والتوسع في المشاركة بالمعارض الدولية، وتنفيذ بعثات تجارية استهدفت أسواقا جديدة، خاصة في أفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.


ويرى “العايدي” أن الصناعات الهندسية أصبحت أحد أهم القطاعات القادرة على قيادة النمو التصديري خلال السنوات المقبلة، في ظل التوجه العالمي لإعادة توزيع سلاسل الإمداد والبحث عن مراكز إنتاج جديدة أكثر استقرارا، وهو ما يمنح مصر فرصة لتعزيز موقعها كمركز صناعي وتصديري يخدم أسواق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.


وفي الوقت الذي لا تزال فيه الحرب في الشرق الأوسط تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، يواصل القطاع الهندسي المصري إرسال رسائل إيجابية للأسواق، مفادها أن الصناعة المصرية قادرة على النمو حتى في أصعب الظروف، وأن الاستثمار في التكنولوجيا، وتنويع الأسواق، وتعميق التصنيع المحلي، أصبح الطريق الأسرع لزيادة الصادرات وتعزيز تنافسية المنتج المصري.


ومع استمرار تنفيذ خطط الدولة لدعم الصناعة وزيادة الصادرات، وتوسع المجلس التصديري للصناعات الهندسية في فتح أسواق جديدة، تبدو فرص القطاع قوية لمواصلة تسجيل مستويات تاريخية خلال النصف الثاني من عام 2026، ليظل واحدا من أبرز الروافد التي تعول عليها مصر لتحقيق مستهدفاتها الطموحة في ملف الصادرات، وترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للصناعات الهندسية والتكنولوجية.