يبدو أننا أمام اكتشاف علمي فريد توصلت إليه عبقرية المليشيا الفذة، حيث تبين أخيراً أن الأمعاء الخاوية لا تحتاج إلى طحين أو خبز، بل يكفيها تماماً الاستماع إلى “الزوامل الحماسية” وهي تصدح عبر مكبرات الصوت لتروي العطش وتشبع الجياع، فبينما يقف المواطن المغلوب على أمره في طوابير الخبز الطويلة يحسب الدقائق بمرارة، تخرج علينا المليشيا باحتفالات صاخبة وأهازيج رنانة تدعي أنها كفيلة بدفع عجلة الاقتصاد، متناسية أن الإنسان لا يعيش على صدى الدفوف ونغمات التهديد، فالجائع لا يملك معدة مطاطية تستوعب الخطب الثورية، ولا يمكنه استبدال العملة النقدية ببيت شعر فصيح، والشعب اليوم لا يطلب المستحيل بل يطالب بأبسط حقوقه البشرية؛ فاصرفوا لنا مرتباتنا المنهوبة، وبدلات غلاء المعيشة التي التهمتها الأزمات، وخذوا زواملكم وثوراتكم الوهمية إلى حيث تشاؤون، واتركوا لنا حياة مطمئنة وأمناً وحرية حقيقية في مساجدنا، بعيداً عن وصايتكم المقيتة التي أثقلت الكواهل وأنهكت الأرواح.
الزوامل بدلاً من الرواتب وواقع المهزلة
يتحدث أبو شنب، وهو موظف حكومي انقطع راتبه وأصبح محترفاً في مطاردة السراب، عما إذا كان هناك قانون فيزيائي جديد في كليات الاقتصاد البديل يسمح للموظف بالعيش على نغمات الزامل بدلاً من الدخل المنهوب، حيث يروي معاناته في الوقوف لساعات تحت الشمس الحارقة طمعاً في فتات متبقي من راتب قديم، ليواجهه المسؤول ببرود شديد قائلاً إن السيولة غير متوفرة ولكن يمكنه الاستمتاع بزامل جديد للتفاؤل، ويتساءل بمرارة: كيف أطعم أحفادي كلمات ثورية جافة أو ألبسهم أوراق المعاملات الممزقة؟ نحن لا نحتاج جوائز في التقشف الإجباري ولا إنجازات وهمية، بل نريد مرتباتنا التي تأتي ببطء شديد وبدلات غلاء تكفي لأساسيات العيش قبل أن ترتفع الأسعار إلى مستويات جنونية.
| المطلب الشعبي | البديل المقدم من المليشيا |
|---|---|
| صرف المرتبات المتأخرة | زوامل حماسية وأهازيج |
| توفير الخبز والطحين | خطب ثورية ومهرجانات |
| استقرار أسعار الغذاء | وعود بمستقبل وهمي |
| خدمات الكهرباء والمياه | وصاية فكرية وطائفية |
رفض الخطب المعسولة والمطالبة بالخدمات
تقول أم حسن، وهي ربة منزل تكافح لتوفير لقمة العيش، إن التسوق في الأسواق الشعبية أصبح يشبه رحلة استكشافية بائسة، حيث يحتاج كيلو الطماطم إلى ضمانات عقارية من شدة الغلاء، بينما تعجز الأسر عن شراء الدجاج الذي يرتفع ثمنه مع كل صرخة ميكروفون، وتؤكد أن الأهازيج لن تكنس الغلاء ولن توزع الطعام مجاناً على البيوت المنهكة، فالشعب لا يريد خطباً معسولة لا تسمن ولا تغني من جوع في بطون أطفال نسوا طعم البساطة، والمطلب الحقيقي هو صرف رواتب الأزواج وتوفير خدمات آدمية من كهرباء مستقرة ومياه صالحة للشرب، بدلاً من التباهي بزومل لا تشبع جائعاً ولا تروي ظمآناً.
حقوق الشباب في مواجهة الميكروفونات
يعبر عبدالوارث، وهو شاب يحمل شهادة جامعية في زمن البطالة، عن استيائه من الحكام الذين يعتقدون أن الجيل الحالي يعيش على الحماس والإنترنت المجاني، ويرى أن الوظيفة الوحيدة المتاحة لخريجي الامتياز هي أن يصبحوا منشدين في احتفالاتهم التي لا تنتهي، ويتساءل عن جدوى قضاء زهرة الشباب في عد النجوم وانتظار وظيفة حكومية تقهر الفقر، فالمطلوب هو أمن حقيقي لا يطارد الرغيف، وحياة تتيح للشباب التفكير في الاستقرار والزواج دون الحاجة لمعجزات مالية، مع ضرورة ترك المساجد والعبادات بعيداً عن الوصاية الطائفية المقيتة التي تبرر العجز المستمر.
شاهد ايضاً
تراكم الديون وانهيار التجارة الصغيرة
يوضح عبدالسلام عامر، صاحب بقالة يواجه الإفلاس، أن دكانه تحول إلى متحف لأغراض لا يستطيع أحد شراءها، حيث يبيع السكر والعدس بالتقسيط لزبائن بوجوه شاحبة يغادرون وهم يبكون بصمت، وينتقد تصريحات المليشيا حول “النمو الاقتصادي المذهل” في حين أن الواقع يشير إلى استقرار مالي وهمي تحت ضغط الجبايات، ويرى أن الحل الوحيد لإنعاش الحركة التجارية هو صرف مرتبات المساكين ليعودوا للشراء، فعداد الديون والكهرباء المقطوعة هما الشيئان الوحيدان اللذان يعملان بانتظام، بعيداً عن ضجيج الأهازيج التي لا تسدد فواتير ولا تطعم فقيراً.
استعادة الكرامة ونهاية السيرك السياسي
يصف فكري صالح، المثقف الناقد، الوضع الحالي بالسيرك السياسي حيث يلعب المواطن دور المهرج الذي يصفق بآلامه، منتقداً ابتكار مصطلحات مثل “المجهود الحربي” و”الزوامل” كحلول للجوع، ويؤكد بوضوح أن الشعب لا يبحث عن قنوات تذيع إنجازات وهمية أو أهازيج تمجد الترف في قصور المسؤولين بينما يعاني المواطن، بل يريد لقمة عيش حلالاً وخدمات لا تنقطع وحرية حقيقية بعيداً عن تكميم الأفواه، والمطالبة اليوم هي باستعادة الكرامة المهدرة على أرصفة العجز الإداري، وترك الشعب ليعيش بسلام بعيداً عن التلطس الأعمى.
خاتمة وتحذير من صبر الجائعين
في النهاية، نرجو أن تجد هذه الصرخة آذاناً صاغية لدى أصحاب السطوة، فالزوامل التي تُفرض على المدارس والمساجد لن تنقذ البطون الجائعة التي لا تفهم لغة الألحان بينما تكتوي بنار الغلاء، والتاريخ لم يرحم يوماً سلطة أدارت ظهرها لشعبها واستبدلت الخبز بالشعارات الجوفاء، فإما إصلاح الخدمات وصرف المرتبات أو الاعتراف بالفشل الذريع في إدارة شؤون البلاد، وتذكروا جيداً أن صبر هذا الشعب الطويل ليس سوى هدوء يسبق عاصفة قوية، وحينها لن تنفع القوة ولا الزوامل في مواجهة غضب من سلبت حقوقهم، والسلام على من اتبع العقل بصدق.







