في الوقت الذي يسعى فيه المواطن إلى مواجهة ضغوط المعيشة وتكافح فيه القطاعات الإنتاجية للحفاظ على تنافسيتها يأتي قرار رفع أسعار شرائح الكهرباء بنسبة 12% ليعيد طرح هذا السؤال الجوهري:هل يظل رفع الأسعار هو الخيار الأول أم أن هناك بدائل أكثر كفاءة واستدامة يمكن أن تحقق نفس الأهداف مع تخفيف الأعباء عن المواطنين؟تشير التقديرات إلى أن الفاقد في شبكات نقل وتوزيع الكهرباء يبلغ نحو 20% أي ما يعادل خُمس الطاقة المنتجة. وبعبارة أخرى فإن كيلووات.ساعة من كل خمسة كيلووات.ساعة يتم إنتاجها لا يصل إلى المستهلك النهائي بالصورة التي تحقق عائده الاقتصادي الكامل. وهنا يبرز تساؤل مشروع: أليس من الأولى العمل على تقليل جزء من هذا الفاقد قبل تحميل المواطنين والقطاعات الإنتاجية أعباءً إضافية؟

أين تذهب هذه الطاقة؟

ينقسم الفاقد إلى نوعين رئيسيين:

الفاقد التجاري (غير الفني): ويشمل سرقات التيار والتوصيلات غير القانونية والتلاعب بالعدادات. وهو يمثل تحدياً يؤثر على كفاءة المنظومة ويخل بمبدأ العدالة حيث يتحمل المستهلك الملتزم تكلفة الكهرباء التي يستهلكها غيره دون مقابل.

الفاقد الفني: وينتج عن فقد الطاقة أثناء النقل والتوزيع نتيجة تقادم بعض الخطوط والمحولات وانخفاض كفاءة الشبكات. ويمكن تقليصه من خلال تحديث البنية التحتية وتحسين التشغيل.

الحسبة الاقتصادية… استثمار يمول نفسه

أرى أن خفض الفاقد إلى حدود 8% – 10% ليس مجرد هدف فني بل فرصة اقتصادية كبيرة. فكل نقطة مئوية يتم خفضها تعني استعادة ملايين الكيلووات.ساعة التي أُنتجت بالفعل واستهلكت وقوداً بما يوفر مليارات الجنيهات سنوياً ويحد من الحاجة إلى زيادات متكررة في أسعار الكهرباء.كما أن تحديث الشبكات والتوسع في العدادات الذكية وتعزيز أنظمة القياس والتصدي الحاسم لسرقات التيار هي استثمارات تسترد تكلفتها من الوفورات التي تحققها خلال فترة وجيزة.ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة والإسراع في تنفيذ البرنامج النووي المصري لما لهما من دور مهم في تنويع مزيج الطاقة وخفض الاعتماد تدريجياً على الوقود الأحفوري والحد من تأثير تقلبات أسعاره العالمية. كما يسهم ذلك في تحقيق استقرار أكبر في تكلفة إنتاج الكهرباء وتعزيز أمن الطاقة على المدى الطويل.

الإدارة الكفؤة هي الحل المستدام

لا شك أن قطاع الكهرباء يواجه تحديات حقيقية. لكن مواجهة هذه التحديات لا تعتمد فقط على زيادة التعريفة بل أيضاً على رفع كفاءة المنظومة وتسريع تطوير الشبكات وتطبيق القانون بحزم.فتقليل الفاقد يعادل عملياً إنتاج طاقة جديدة ولكن بتكلفة أقل ودون استهلاك وقود إضافي أو إنشاء محطات جديدة.وعندما نفقد خُمس ما ننتجه من الكهرباء فإن إعطاء أولوية أكبر لتقليل هذا الفاقد قد يحقق وفورات كبيرة ويخفف الحاجة إلى زيادات مستقبلية في الأسعار. فالإدارة الرشيدة للموارد إلى جانب تطوير الشبكات ورفع كفاءة التشغيل والتوسع في مصادر الطاقة منخفضة التكلفة التشغيلية تمثل الطريق الأكثر استدامة لتحقيق التوازن بين استقرار قطاع الكهرباء وتعزيز كفاءته وتخفيف الأعباء عن المواطنين.