تحولت الأيام الأخيرة من كل شهر في محافظة ديالى إلى رحلة ترقب مريرة لآلاف الأسر التي ترهن حياتها بالدخل الحكومي، حيث لم يعد تأخر صرف الرواتب مجرد إجراء إداري، بل تحول إلى أزمة معيشية ألقت بظلالها الثقيلة على مفاصل الحياة اليومية، إذ تشهد الأسواق المحلية تراجعاً حاداً في حركة الشراء تزامناً مع ارتفاع وتيرة البيع بالدين، وسط مخاوف جدية من تحول هذا التأخير إلى نمط روتيني يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأهالي.

في مدينة بعقوبة، التي تمثل المركز الحيوي لمحافظة ديالى، لا يحتاج التجار إلى بيانات رسمية لمعرفة حالة الخزينة العامة، فإيقاع الشارع كفيل بكشف الحقيقة، حيث تستعيد الأسواق نبضها فور ضخ السيولة في جيوب الموظفين والمتقاعدين، بينما يطبق الصمت والركود على المحال التجارية كلما طال أمد الانتظار، في مشهد يبرز اعتماد اقتصاد المحافظة الكلي على الرواتب الحكومية كمحرك وحيد للاستهلاك.

التزامات معلقة وديون تسبق المستحقات

بالنسبة للموظف العراقي، لا يمثل تأخر الراتب مجرد تغيير في المواعيد، بل هو ارتباك شامل يضرب جدول التزاماته التي تبدأ بأقساط السلف المصرفية، مروراً بفواتير المولدات الأهلية والإنترنت، وصولاً إلى تأمين الطعام والدواء، حيث يشير مواطنون إلى أن الراتب نفسه لم يعد يكفي لسداد التراكمات المالية التي تتضاعف خلال فترة الانتظار، خاصة مع غياب جدول زمني واضح يمكن الاستناد إليه في تنظيم النفقات، مما يضع أرباب الأسر في مواجهة مباشرة مع أصحاب العقارات والخدمات المطالبين بحقوقهم دورياً.

إدارة النقص واستراتيجيات البقاء

دفعت أزمة السيولة الأسر في ديالى إلى ابتكار أساليب قاسية لإدارة العجز المالي، تمثلت في التخلي عن الأساسيات وتبني سياسات تقشفية غير مسبوقة، ومن أبرز هذه الإجراءات:

  • تقليص المشتريات من المواد الغذائية لتقتصر على احتياجات يومية محدودة.
  • تأجيل مشاريع صيانة المنازل أو شراء الأثاث والاحتياجات المنزلية الضرورية.
  • استهلاك المدخرات البسيطة التي كانت مخصصة لحالات الطوارئ الطبية.
  • تقليل النفقات المتعلقة بالزيارات الاجتماعية والأنشطة الترفيهية لتوفير كل دينار ممكن.
  • استبدال السلع ذات العلامات التجارية المعروفة ببدائل أرخص سعراً وأقل جودة.

حركة الأسواق والركود التجاري

في جولة داخل أسواق بعقوبة، يبدو المشهد متناقضاً؛ فالبضائع تملأ الرفوف لكن المشترين يكتفون بالمشاهدة أو الشراء بالحد الأدنى، حيث يؤكد أصحاب المحال أن سجلات “الديون” أصبحت المتنفس الوحيد للموظفين بانتظار صرف الرواتب، فيما تعاني قطاعات الملابس والأجهزة المنزلية من شلل شبه تام، لكونها تقع في ذيل قائمة أولويات الأسر التي تقدم لقمة العيش والإيجار على كل شيء آخر، مما يهدد استمرارية العديد من الأعمال التجارية الصغيرة والمتوسطة.

مقارنة بين الإيرادات والالتزامات المالية

توضح الأرقام الرسمية الفجوة الكبيرة التي تواجهها الحكومة في تأمين الرواتب، وهو ما يفسر التأخير المتكرر في الصرف:

المتطلب المالي الشهريالسيولة المتاحة (تقديرياً)العجز المالي الشهريالحلول المقترحة
8 تريليون دينار عراقي3 تريليون دينار عراقي5 تريليون دينار عراقيالاقتراض الداخلي أو دفعات مجزأة

رؤية اقتصادية لمستقبل الأزمة

يرى خبراء الاقتصاد أن المشكلة لا تكمن في “إفلاس” الدولة بقدر ما هي أزمة “سيولة نقدية” حادة ناتجة عن تراجع تدفقات النفط وتأثرها بالتوترات الإقليمية، مشيرين إلى أن الخطر الأكبر يكمن في تحول سلوك الموظف من الإنفاق الطبيعي إلى الإنفاق الحذر، مما يعمق حالة الركود الاقتصادي، كما يحذر المتخصصون من الاعتماد المفرط على الاقتراض لتغطية النفقات التشغيلية، لما له من آثار سلبية مستقبلية تتمثل في تراكم الديون والفوائد، مؤكدين على ضرورة إصلاح منظومة الإنفاق وتنشيط الإيرادات غير النفطية لتجاوز هذا المنزلق المالي المتكرر.