من المؤسف حقاً أن تشاهد أستاذاً جامعياً يحمل رتبة “بروفيسور” ويقود قسماً أكاديمياً عريقاً، وهو يقف في نهاية الشهر عاجزاً عن تأمين أبسط المتطلبات الأساسية لعائلته بعد سنوات طويلة من العطاء والبحث العلمي، إذ لم يعد هذا المشهد مجرد رواية خيالية تتداولها الألسن، بل تحول إلى واقع ملموس تدمع له العين ويجسد حجم المأساة التي يعيشها الكادر التعليمي.

واقع معيشي تحت وطأة الانتظار

بعدما تجاوز تأخير صرف الرواتب حاجز الخمسين يوماً، سألت زميلي البروفيسور الذي يشغل منصب رئيس قسم عن موعد الراتب، فأجابني بنبرة يملؤها الوجع أن الموعد المقدر هو الخميس القادم، ثم شاهدته في إحدى البقالات يشتري كميات ضئيلة جداً من الأرز والدقيق وعلبة زيت صغيرة، وهي مؤن متواضعة بالكاد تكفي يوماً واحداً لأسرة تعاني من غياب مصدر دخلها المنتظم، مما يطرح تساؤلات موجعة حول كيفية صمود هذه الأسر أمام شبح الجوع والاحتياج.

الفجوة بين المكانة العلمية والاحتياج اليومي

لقد كان المشهد قاسياً ومؤلماً بما يفوق الوصف، فهذا الأكاديمي الذي يلقي محاضراته أمام مئات الطلاب ويحمل على عاتقه مسؤوليات إدارية جسيمة، أصبح يزن احتياجات أطفاله بالكيلو والقرطاس ويؤجل شراء الضروريات يوماً بعد آخر، حيث أصبحت المعاناة تتجاوز حدود تأمين الغذاء لتصل إلى كرامة الإنسان وقدرته على مواجهة أعباء الحياة اليومية في ظل غياب حقوقه الوظيفية المشروعة.

الأمن الصحي في مهب الريح

تحدث إليّ الزميل بحرقة قلب عن توقف الصيدلية التي يتعامل معها عن تزويده بأدوية السكري والضغط، وذلك بسبب تراكم الديون وعدم قدرته على سداد المستحقات السابقة، إذ طلب منه الصيدلي بوضوح تصفية الحساب القديم قبل الحصول على جرعات جديدة من الدواء، وهنا ندرك أن الأزمة لم تعد مجرد تأخر في السيولة، بل أصبحت تهدد الصحة والحياة والكرامة الإنسانية بشكل مباشر ومخيف.

وعندما حاولت بعث الأمل في نفسه بالحديث عن زيادة الـ 20% المعلنة أو العلاوات السنوية المتأخرة، رد بمرارة تفوق الوصف:

  • كيف ننتظر الزيادة ونحن لا نكاد نحصل على أصل الراتب في موعده القانوني.
  • لدينا استحقاقات أكاديمية وترقيات مجمدة منذ ثماني سنوات دون أي بوادر للحل.
  • لقد وصل الإحباط لدرجة الرغبة في البحث عن أي عمل بديل يوفر لقمة العيش بانتظام.
  • كل ما نحتاجه هو راتب شهري يحفظ لنا كرامتنا ويؤمن لنا حياة كريمة.

مقارنة الحالة المعيشية للأكاديميين والموظفين

هذه الحقائق الصادمة تعكس حجم الضغوط النفسية والمعيشية التي يواجهها الأستاذ الجامعي والمعلم والموظف على حد سواء، وإذا كان هذا هو حال البروفيسور الذي يمثل قمة الهرم العلمي، فمن الطبيعي أن نتساءل عن حال الموظف البسيط أو المعلم ذي الراتب المحدود، وكيف تتدبر هذه الفئات أمورها وسط موجات الغلاء المتصاعدة وضيق ذات اليد.

نوع الاستحقاقالوضع الحاليالأثر المترتب
الراتب الأساسيتأخير يتجاوز 50 يوماًعجز عن توفير الاحتياجات اليومية
العلاوات السنويةمتوقفة ومعلقة منذ سنواتتآكل القوة الشرائية للدخل
الترقيات الأكاديميةمؤجلة منذ 8 سنواتإحباط الكفاءات وهجرة العقول
الرعاية الصحيةتوقف الديون في الصيدلياتتهديد مباشر لصحة وسلامة الكوادر

ضرورة الاستقرار المالي لجودة التعليم

إن انتظام صرف الرواتب ليس منة من أحد، بل هو حق أصيل وقاعدة أساسية لتحقيق الاستقرار المجتمعي وحماية الأسرة من التفكك والانهيار، فمعالجة حقوق الأكاديميين ليست ترفاً إدارياً، بل هي ضرورة وطنية لاحترام العلم وتحفيز المعلمين على أداء رسالتهم، لأنه من المستحيل مطالبة الأستاذ بالتميز والإبداع وهو مثقل بهموم تأمين ثمن الدواء ولقمة العيش لعائلته.

في الختام، نوجه رسالة عاجلة لكل المسؤولين وصناع القرار بضرورة إنقاذ كرامة الموظف والمعلم والأستاذ الجامعي، فالراتب في موعده هو شريان الحياة والضمانة الوحيدة لبقاء المجتمع متماسكاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.