اقرأ في هذا المقال
- سعر الديزل ارتفع لأكثر من 55% منذ بدء حرب إيران في أواخر فبراير/شباط الماضي
- سعر البنزين ارتفع بصورة حادة إلى نحو 4.15 دولارًا أميركيًا للغالون
- مخزونات المشتقات النفطية بما فيها الديزل منخفضة للغاية حاليًا مقارنةً بمستوياتها الموسمية
- الرئيس دونالد ترمب تعهد باتخاذ تدابير تهدف إلى خفض أسعار الوقود
بلغت أسعار الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسيًا مؤخرًا، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، أبرزها اضطراب سلاسل التوريد نتيجة التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ما يؤدي إلى تداعيات مختلفة على السوق الأميركية.
في الرابع من سبتمبر/أيلول 2026 بلغ متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسيًا قدره 5.85 دولارًا أميركيًا للغالون، وفقًا لجمعية السيارات الأميركية (AAA)، متجاوزًا بذلك أعلى مستوى اسمي سابق بمقدار 5.82 دولارًا أميركيًا سُجّل في يونيو/حزيران 2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
وقد ارتفعت أسعار الديزل في الولايات المتحدة بأكثر من 55% منذ بدء حرب إيران في أواخر فبراير/شباط الماضي، حين كانت الأسعار آنذاك نحو 3.76 دولارًا أميركيًا للغالون، وارتفع سعر البنزين بصورة حادة إلى نحو 4.15 دولارًا أميركيًا للغالون، في حين تراوح سعر خام برنت بين 95 و96 دولارًا أميركيًا للبرميل.
ولا يقتصر سبب هذا الارتفاع على الاضطرابات المرتبطة بحرب إيران وانخفاض تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، بل يشمل الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، التي ألحقت أضرارًا بقدرة التكرير وقلّصت صادرات الوقود الروسي.
(غالون = 3.78 لترًا)
توقيت ارتفاع أسعار الديزل في الولايات المتحدة
يُعدّ توقيت ارتفاع أسعار الديزل في الولايات المتحدة صعبًا للغاية بالنسبة إلى السوق المحلية الأميركية.
وفي الوقت نفسه، تُعدّ مخزونات المشتقات النفطية -بما فيها الديزل- منخفضة للغاية حاليًا مقارنةً بمستوياتها الموسمية، في حين تعمل مصافي التكرير المحلية بكامل قدرتها تقريبًا.
وقد زاد انخفاض إنتاج قطاع التكرير الروسي من الضغط على سوق الديزل العالمية، التي تعاني أصلًا شحًا في المعروض.
ونتيجة ارتفاع الأسعار بالتزامن مع عيد العمال ومدة ذروة الطلب على النقل يتجاوز تأثير ذلك محطات الوقود، ليرفع تكاليف النقل بالشاحنات والزراعة والصناعة، وصولًا إلى المستهلكين.
محطة وقود في مدينة أوستن بولاية تكساس الأميركية – الصورة من نيويورك تايمز
جذور الاضطراب: حرب إيران وضغط سلاسل التوريد
يُعزى السبب المباشر لصدمة أسعار الديزل إلى الحرب التي اندلعت عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران في أواخر فبراير/شباط 2026.
وقد أدى رد إيران إلى تقييد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الممر المائي الإستراتيجي الذي يمر عبره عادةً ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، بالإضافة إلى كميات كبيرة من المنتجات البترولية المكررة.
وانخفضت حركة ناقلات النفط بصورة ملحوظة، في حين أدت الهجمات على البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط إلى انخفاض إنتاج قطاع التكرير الإقليمي، لا سيما الديزل ووقود الطائرات.
وتزامن هذا الاضطراب مع استمرار الضغط على قدرة التكرير الروسية.
وقد أدت هجمات الطائرات الأوكرانية المسيّرة على مصافي النفط الروسية إلى تقييد الإنتاج بصورة دورية، وأسهمت في فرض قيود على صادرات الديزل.
ومن ثم، أدى الاضطراب المُجتمعي في روسيا والشرق الأوسط إلى تضييق نطاق توافر الديزل المنقول بحرًا في وقت كانت فيه المخزونات العالمية محدودة.
وكان التأثير في وقود الديزل واضحًا بصورة خاصة لأن مصافي الشرق الأوسط تُعدّ من أهم موردي المشتقات الوسطى، بما في ذلك الديزل ووقود الطائرات.
وعلى عكس البنزين، يُستعمل الديزل على نطاق واسع في قطاعات نقل البضائع والزراعة والبناء والسكك الحديدية والأنشطة الصناعية، لذا.. فإن النقص يتجاوز بكثير سائقي السيارات.
من ناحية ثانية، توفر المقارنات المعدلة حسب التضخم بعض الوضوح، فعلى الرغم من أن 5.85 دولارًا يمثل رقمًا قياسيًا اسميًا في الولايات المتحدة، فإن ذروة الأسعار السابقة كانت أعلى بالقيمة الحقيقية.
على سبيل المثال، ستكون قيمة ذروة عام 2008 -التي بلغت نحو 4.74 دولارًا للغالون- أعلى بكثير بقيمة الدولار في عام 2026.
وتكمن المشكلة الاقتصادية حاليًا في سرعة الزيادة أكثر من المقارنة التاريخية.
ولم تتح للشركات والأسر سوى مدة وجيزة للتكيف مع ارتفاع الأسعار بأكثر من 55% في غضون 6 أشهر فقط، بينما يواجه المستهلكون في المناطق ذات التكلفة العالية -مثل الساحل الغربي- أسعارًا أعلى بكثير من المتوسط الوطني.
الآثار الاقتصادية
يُعدّ الديزل عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد الأميركي، فمعظم شاحنات نقل البضائع لمسافات طويلة، والآلات الزراعية، ومعدات البناء، وقطاعات كبيرة من السكك الحديدية والصناعة، تعتمد عليه.
ومن ثم، فإن ارتفاع تكاليف الوقود يزيد من أسعار الشحن ونفقات الإنتاج، ما قد ينعكس على ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع المصنعة ومواد البناء وغيرها من المنتجات الاستهلاكية.
وتُعدّ شركات النقل والخدمات اللوجستية من بين الأكثر تأثرًا بصورة مباشرة، لأن الوقود يُمثّل نفقات تشغيلية رئيسة.
من ناحيتها، تُعد شركات النقل الصغيرة، ذات القدرة المحدودة على التحوّط من تكاليف الوقود، أكثر عرضةً للخطر.
ويواجه القطاع الزراعي ضغوطًا مماثلة، إذ يتحمّل المزارعون تكاليف أعلى للآلات والحصاد والنقل وتوزيع المواد الغذائية.
وتواجه شركات البناء والتصنيع التي تعتمد على المعدات التي تعمل بالديزل ارتفاعًا في تكاليف المدخلات، في حين أن ارتفاع أسعار وقود الطائرات يزيد من نفقات شركات الطيران وشركات الشحن الجوي.
ويتمثّل القلق الأكبر في التضخم، فبإمكان الشركات تحمّل ارتفاع تكاليف الوقود مؤقتًا، ولكن الزيادات المستمرة غالبًا ما تُنقل إلى المستهلكين.
وهذا يُولّد ضغطًا إضافيًا على الأسعار، في الوقت الذي يُوازن فيه الاحتياطي الفيدرالي بين السيطرة على التضخم ودعم النشاط الاقتصادي.
ولذلك، فإن استمرار ارتفاع أسعار الديزل في الولايات المتحدة قد يُعقّد السياسة النقدية من خلال رفع التضخم وإضعاف النمو في آنٍ واحد.
شاهد ايضاً
ومن غير المرجح حدوث تعافٍ سريع حتى مع انحسار العمليات القتالية، ولا يمكن ترميم البنية التحتية المتضررة لقطاع التكرير فورًا، وقد تظل شركات التأمين والشحن حذرة بشأن عودة حركة السفن إلى طبيعتها في مضيق هرمز إلى حين تحسن الأوضاع الأمنية.
ويمكن لزيادة الإنتاج الأميركي، وإيجاد طرق إمداد بديلة، وجهود تأمين البراميل من منتجين آخرين -بما في ذلك فنزويلا- أن تخفف من حدة التأثير، لكن من غير المرجح أن تعوض الإمدادات المتوقفة بسرعة.
مضخة ديزل بمحطة وقود في مدينة أورينج بولاية كاليفورنيا الأميركية – الصورة من أسوشيتد برس
الأبعاد السياسية وانتخابات التجديد النصفي المقبلة
تكتسب أزمة أسعار الديزل في الولايات المتحدة أهمية سياسية متزايدة قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وستُجرى انتخابات على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعدًا، ونحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ، بالإضافة إلى العديد من مناصب حكام الولايات والمناصب الحكومية.
ومع تزايد أهمية السيطرة على الكونغرس، قد تصبح أسعار الوقود معيارًا متزايد الأهمية يُقيّم من خلاله الناخبون أداء الإدارة في السياسة الاقتصادية والخارجية.
وتتمتع أسعار الطاقة بتأثير سياسي غير عادي، نظرًا إلى تأثيرها المباشر والمتكرر في المستهلكين.
وحتى الناخبون الذين نادرًا ما يتابعون أسواق النفط الخام، أو معدلات استغلال المصافي، أو المخاطر الجيوسياسية، يرون أسعار الوقود معروضة في كل مرة يمرون فيها بمحطة وقود.
وعلى الرغم من أن أسعار الديزل في الولايات المتحدة تُعد أقل وضوحًا للعديد من الأسر مقارنةً بأسعار البنزين، فإن تأثيرها غير المباشر قد يكون أوسع نطاقًا لأنها تؤثر في تكلفة نقل وإنتاج السلع اليومية.
إزاء ذلك، تعهد الرئيس دونالد ترمب باتخاذ تدابير تهدف إلى خفض أسعار الوقود، بما في ذلك جهود لتوسيع الإمدادات وتأمين المزيد من النفط من خلال اتفاقيات مع منتجين مثل فنزويلا.
ومن المرجح أن يركز الجمهوريون على الإنتاج المحلي، وإمدادات الطاقة البديلة، وحماية خطوط الشحن.
في غضون ذلك، من المرجح أن يركز الديمقراطيون على التكاليف الاقتصادية المحلية لحرب إيران، وأن يؤكدوا أن استمرار الحرب يُسهم في التضخم ويُلقي بضغوط إضافية على الأسر والشركات الأميركية.
ولن يكون التأثير الانتخابي موحدًا، فقد تكون الولايات الزراعية ومراكز النقل بالشاحنات والمناطق الصناعية والمناطق التي تعتمد على الشحن أكثر حساسية لارتفاع أسعار الديزل في الولايات المتحدة.
من ناحية ثانية، فإن المناطق التي تواجه تكاليف وقود أعلى من المتوسط، بما في ذلك أجزاء من الساحل الغربي والشمال الشرقي، قد تتعرض لضغوط سياسية أكبر.
وسيتوقف الكثير على مدة بقاء الأسعار مرتفعة، فالارتفاع المفاجئ قصير الأجل لن يكون له دلالة سياسية كبيرة، خصوصًا إذا بدأت الأسعار في الانخفاض قبل يوم الانتخابات بمدة طويلة.
أما استمرار أسعار الديزل في الولايات المتحدة قريبة من مستوياتها الحالية أو أعلى منها لمدة طويلة، فسيوفر لمرشحي المعارضة حجة بسيطة وواضحة تربط قرارات السياسة الخارجية بنفقات الأسر والتضخم وتكاليف الأعمال.
التوقعات والاعتبارات
يتوقف اتجاه أسعار الديزل في الولايات المتحدة على تطورات عدة جبهات في آن واحد.
ومن أهم العوامل:
- مسار حرب إيران.
- استئناف حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
- حالة قدرة التكرير العالمية.
- الهجمات الأوكرانية المحتملة على مصافي النفط الروسية.
- مخزونات الوقود الأميركية.
- الطلب الموسمي.
وحتى مع انحسار التوترات في الشرق الأوسط، فمن غير المرجح أن تعود السوق إلى وضعها الطبيعي فورًا.
تزويد شاحنة بالديزل في محطة بمدينة تريسي بولاية كاليفورنيا الأميركية – الصورة من بلومبرغ
فالمنشآت المتضررة تحتاج إلى وقت لإصلاحها، وقد تظل شركات الشحن والتأمين حذرة بشأن مضيق هرمز، كما أن أي انخفاض إضافي في قدرة التكرير الروسية قد يُبقي إمدادات الديزل شحيحة.
بالنسبة للولايات المتحدة، يتجاوز التأثير سعر الديزل في محطات الوقود، فارتفاع أسعار الديزل يرفع التكاليف في قطاعات النقل بالشاحنات والزراعة والتصنيع والبناء والطيران وتوزيع المواد الغذائية، ما يؤثر في أسعار المستهلكين بوجه عام.
وفي الوقت نفسه، يُظهر الوضع الراهن مدى هشاشة أسواق الوقود العالمية أمام الاضطرابات في عدد محدود من المناطق الرئيسة.
وقد تؤدي الاضطرابات في مضيق هرمز -بجانب انخفاض إنتاج قطاع التكرير الروسي- إلى تقليص الإمدادات في أماكن أخرى بسرعة، ورفع التكاليف على الشركات والأسر الأميركية.
لذا، فإن سعر الديزل القياسي البالغ 5.85 دولارًا ليس مجرد ارتفاع قياسي آخر في السوق، بل هو تذكير بمدى ترابط الحرب، وقدرة التكرير، وخطوط الشحن، والظروف الاقتصادية المحلية.
وفي حال استمرت أسعار الديزل والبنزين مرتفعة طوال فصل الخريف، فمن المرجح أن تصبح تكاليف الطاقة قضية بارزة في النقاش السياسي قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب “دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001”.
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.







