يكشف ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا، الناجم عن تداعيات حرب إيران، عن تحديات ضخمة قد لا تقتصر على فصل الشتاء فقط، بل تهدد بجولة جديدة من الضغوط الاقتصادية قد تمتد آثارها إلى قطاعات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا.
ويأتي ذلك في الوقت الذي تسارع فيه دول القارة لتطوير قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، ومواجهة المنافسة المتزايدة من الصين، في سباق يتطلب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية التي تستهلك كميات هائلة من الكهرباء.
وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا، وفق متابعات منصة الطاقة المتخصصة، بأكثر من 2% خلال تعاملات اليوم الثلاثاء 8 سبتمبر/أيلول 2026، مسجلة أعلى مستوياتها منذ نهاية عام 2022.
جاءت المكاسب بعدما هددت إيران الولايات المتحدة بـ”حرب اقتصادية”، وأعلنت إطلاق صاروخ متطور على سفن حربية أميركية، في تطور يسلط الضوء على مخاطر اتساع نطاق التصعيد بعد أيام من تبادل الجانبين ضربات جديدة.
أسعار الغاز الأوروبية
ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية -وفق مؤشر “تي تي إف” (TTF) الهولندي، المقياس الرئيس للأسعار في أوروبا- تسليم أكتوبر/تشرين الأول بنسبة 2.243%، لتصل إلى 74.95 يورو (87.04 دولارًا) لكل ميغاواط/ساعة.
* اليورو = 1.16 دولارًا أميركيًا.
كما صعدت عقود نوفمبر/تشرين الثاني بنسبة 2.174% إلى 74.725 يورو لكل ميغاواط/ساعة، في حين ارتفعت عقود ديسمبر/كانون الأول بنحو 2.084% إلى 74.47 يورو لكل ميغاواط/ساعة، بحلول الساعة 01:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة.
عادةً ما تستعمل شركات الغاز في أوروبا وحدتي “غيغاواط/ساعة” و”تيراواط/ساعة” في تسعير الغاز، إذ تعادل 1 غيغاواط/ساعة نحو 3.2 مليون قدم مكعبة من الغاز، في حين تعادل 1 تيراواط/ساعة نحو 3.2 مليار قدم مكعبة.
جانب من شبكة خطوط أنابيب الغاز في أوروبا – الصورة من Euro News
وكانت أسعار الغاز الأوروبية قد ارتفعت إلى 75 يورو لكل ميغاواط/ساعة الأسبوع الماضي، أي أكثر من ضعف مستواها قبل عام.
وبلغت الأسعار أعلى مستوى لها منذ أواخر عام 2022، عندما دفع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا أوروبا إلى قطع كميات هائلة من الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب.
مضيق هرمز
تنبع الأزمة الأخيرة من اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز منذ أكثر من 6 أشهر، وهو ما أدى إلى تعطيل جزء كبير من إمدادات الغاز المسال القادمة من الشرق الأوسط، وتضييق أسواق الغاز في أنحاء العالم.
وأظهرت بيانات حديثة أن حركة سفن السلع الأساسية عبر المضيق تراجعت إلى 7 سفن فقط يوم الإثنين، مقابل 8 سفن في اليوم السابق، في ظل استمرار التهديدات المرتبطة بالتصعيد العسكري.
وأدى نقص الإمدادات الناتج عن اضطراب حركة الغاز المسال إلى منافسة حادة بين أوروبا وآسيا، في وقت أسهم فيه صيف حار في معظم أنحاء آسيا في زيادة الطلب على الطاقة والتبريد.
ونتيجة لذلك، اتجهت كميات من الغاز المسال إلى الأسواق الآسيوية خلال أشهر الصيف، بدلًا من أوروبا، ما زاد صعوبة مهمة القارة في إعادة ملء مخزوناتها قبل موسم التدفئة الشتوي.
وبدأت تداعيات نقص الإمدادات تظهر بوضوح في مستويات التخزين الأوروبية، إذ بلغت مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي نحو 66.6% حتى 6 سبتمبر/أيلول 2026، وفق بيانات مؤسسة “غاز إنفراستركتشر يوروب”.
ويعد هذا المستوى وهو أدنى مستوى لهذا الوقت من العام منذ 15 عامًا، وأقل بنحو 12 نقطة مئوية من مستوى العام الماضي.
وتبلغ المخزونات ذروتها عادةً في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني في عام 2025، وصلت إلى 83%، أي ما يعادل 85 مليار متر مكعب، أما هذا العام فمن المرجح أن تبلغ مستويات التخزين ذروتها عند 70% إلى 75% فقط، وفقًا لتقديرات هيئة الإيرادات والاستثمار.
وتبرز المخاطر بصورة أكبر عند النظر إلى الدول منفردة، إذ تبلغ نسبة امتلاء مرافق التخزين في ألمانيا، صاحبة أكبر منظومة تخزين في أوروبا، نحو 54.2%، بينما تبلغ في هولندا نحو 49.6%.
ويعني دخول الشتاء بمستويات تخزين محدودة زيادة اعتماد الأسواق الأوروبية على شحنات الغاز المسال الفورية، إلى جانب واردات خطوط الأنابيب من الدول المجاورة، وهو ما قد يضيف مزيدًا من الضغوط على أسعار الغاز إذا شهدت القارة موجات برد قوية أو حدثت اضطرابات إضافية في الإمدادات.
صادرات الغاز المسال الخليجي
يرى الكاتب في رويترز رون بوسو -في مقال له- أن الاضطراب الذي أصاب صادرات الغاز المسال من الشرق الأوسط لا يبدو أنه سيتلاشى سريعًا، مع استمرار القيود المفروضة على حركة السفن عبر مضيق هرمز.
وانخفضت صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج، خاصة من قطر والإمارات، بأكثر من 85% بين مارس/آذار وأغسطس/آب مقارنة بالمدة نفسها من العام السابق، وفق بيانات شركة كبلر.
ومن المرجح أن تستمر تداعيات اضطراب حركة الشحن خلال المدة المقبلة، ما يضع الأسواق الأوروبية أمام اختبار صعب، خاصة إذا تزامن نقص الإمدادات مع زيادة الطلب الشتوي.
وأبلغت شركة قطر للطاقة عملاءها الرئيسين بتمديد تعليق شحنات الغاز المسال بسبب القوة القاهرة حتى أوائل نوفمبر/تشرين الثاني.
ناقلة الغاز المسال القطرية برزان – الصورة من شركة كنوتسن
شاهد ايضاً
ورغم ذلك، لم تشهد سوق الغاز المسال العالمية انهيارًا كاملًا، بفضل الزيادة السريعة في الإنتاج من خارج منطقة الخليج، ولا سيما الولايات المتحدة وكندا.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، نما إنتاج الغاز المسال خارج منطقة الخليج بنسبة 18%، أو ما يعادل نحو 27 مليار متر مكعب، خلال العام المنتهي في يونيو/حزيران، وهو ما عوّض جزءًا كبيرًا من خسائر الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
وساعدت الزيادة في الحد من صعود أسعار الغاز إلى مستويات أشد حدة، إذ ما تزال الأسعار الأوروبية بعيدة عن المستويات القياسية التي سجلتها خلال أزمة الطاقة عام 2022، عندما تجاوزت لمدة وجيزة 300 يورو لكل ميغاواط/ساعة.
لكن استمرار اضطراب الإمدادات عبر هرمز، بالتزامن مع انخفاض مستويات التخزين، يبقي مخاطر ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا قائمة بقوة خلال الأشهر المقبلة.
توقيت صعب لأوروبا
يمثل ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا تحديًا يتجاوز أمن الإمدادات، إذ يأتي في توقيت حساس لاقتصاد القارة العجوز الذي يحاول في الوقت نفسه زيادة الإنفاق الدفاعي وتسريع الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وكانت أزمة الطاقة السابقة قد أثبتت حجم العبء الذي يمكن أن تفرضه أسعار الغاز المرتفعة على الاقتصاد الأوروبي، فقد بلغت فاتورة الغاز في أوروبا نحو 117 مليار يورو خلال عام 2025، رغم أن الاستهلاك ظل أقل بنحو 17% من مستويات ما قبل أزمة الطاقة، وفق تقديرات معهد بروجيل.
ومع صعود الأسعار، فإن فاتورة واردات الغاز مرشحة للارتفاع، ما قد يضغط على ميزانيات الأسر والشركات والحكومات في القارة.
وتزداد حساسية الموقف مع محاولة أوروبا تعزيز قدراتها الدفاعية في ظل التوترات مع روسيا، في الوقت الذي تضغط فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها العسكري.
وتحتاج الصناعات الدفاعية الأوروبية، بدورها، إلى مزيد من الطاقة لتوسيع إنتاج الذخائر والمعدات العسكرية وغيرها من التقنيات، ما يزيد أهمية الحصول على إمدادات طاقة مستقرة وبأسعار تنافسية.
ولا يقتصر التحدي على الصناعات التقليدية، إذ تسعى أوروبا أيضًا إلى تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة والصين في سباق الذكاء الاصطناعي.
ويتطلب السباق استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، التي تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء، ما يجعل ارتفاع تكلفة الغاز والكهرباء عاملًا مؤثرًا في تكلفة تشغيل البنية التحتية الرقمية.
ومع توسع الطلب على مراكز البيانات، تصبح أسعار الطاقة عنصرًا مهمًا في تحديد قدرة أوروبا على استقطاب الاستثمارات الجديدة، خصوصًا مع المنافسة من الولايات المتحدة والصين ومناطق أخرى تتمتع بتكاليف طاقة أكثر تنافسية.
وفي الوقت نفسه، يواجه قطاع التصنيع الأوروبي ضغوطًا متزايدة في منافسة الصين، ولا سيما في صناعة السيارات التي فقدت شركات أوروبية حصة من الأسواق لصالح منافسين صينيين منخفضي التكلفة.
وتزيد أسعار الطاقة المرتفعة من صعوبة المنافسة، إذ يواجه المصنعون خيارين كلاهما مكلف، إما تحمل زيادة تكلفة الغاز والكهرباء، بما يقلص الأرباح وقدرة الشركات على الاستثمار، وإما تمرير التكلفة إلى المستهلكين، بما يرفع أسعار المنتجات ويضعف قدرتها التنافسية.
وتأتي الضغوط في وقت أعلنت فيه شركة فولكس فاغن الألمانية عن أكبر عملية إعادة هيكلة في تاريخها الممتد لنحو 89 عامًا، في مؤشر على التحديات التي تواجه الصناعة الأوروبية.
ومن شأن استمرار ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء لمدة طويلة أن يضيف عبئًا جديدًا إلى هذه التحديات، ويهدد بزيادة الفجوة في التكلفة بين المنتجين الأوروبيين ونظرائهم في الاقتصادات المنافسة.
أزمة غاز جديدة
أعلنت المفوضية الأوروبية، يوم الجمعة، أن التكتل لا يواجه خطرًا فوريًا على أمن إمدادات الغاز خلال الشتاء، رغم انخفاض مستويات التخزين.
وقد يثبت هذا التقييم صحته إذا استمرت إمدادات الغاز المسال من أميركا الشمالية، وتحسنت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، ولم تشهد أوروبا موجات برد استثنائية.
لكن التحدي الحقيقي، وفق رون، لا يتعلق فقط بقدرة أوروبا على تأمين كميات الغاز اللازمة لتجاوز الشتاء، وإنما بالتكلفة التي ستدفعها مقابل هذه الإمدادات.
فكلما طال اضطراب الإمدادات وارتفعت أسعار الغاز، زاد الضغط على الصناعة الأوروبية والأسر والاستثمارات الجديدة، في وقت تحتاج فيه القارة إلى طاقة رخيصة ومستقرة لتمويل التحول الرقمي، وتوسيع الصناعات الدفاعية، والحفاظ على قدرتها التنافسية أمام الولايات المتحدة والصين.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
المصادر..
إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.







