اصطدمت خطط التوسع في مراكز البيانات داخل السوق المصرية بموجة ارتفاعات حادة في أسعار الكهرباء، لتتحول الطاقة من مجرد عنصر تشغيلي إلى العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد هوامش الربح واستدامة التشغيل، وسط توقعات بزيادة أسعار خدمات الاستضافة والحوسبة السحابية بنسب تتراوح بين 15 و%25.
وأجمع عدد من خبراء قطاع الاتصالات والتكنولوجيا على أن قطاع مراكز البيانات في مصر يمر بمرحلة تحول هيكلي، أصبحت فيها الطاقة عاملًا استراتيجيًا يعيد تشكيل خريطة الاستثمار، مع اتجاه متزايد نحو تحسين الكفاءة التشغيلية وتبني حلول تكنولوجية متقدمة، بما يعزز القدرة التنافسية إقليميًا ودوليًا.
أكد علي فرجاني باحث وأكاديمي في مجال الذكاء الاصطناعي، أن ارتفاع فاتورة الطاقة في مصر الأسبوع الماضي سيؤثر على مستقبل مراكز البيانات في مصر حيث يمثل بند الكهرباء نسبة تتراوح من 45 إلي %60 من التكاليف الدورية لتشغيل الداتا سنتر .
وتوقع ارتفاع أسعار خدمات الاستضافة والحوسبة السحابية، بنسبة تتراوح بين 15 و%25 جراء الزيادات الأخيرة في أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة ، لافتا إلي أن الشركات ستتجه إلى تمرير الجزء الأكبر من ارتفاع التكاليف إلى العملاء للحفاظ على استدامة التشغيل.
كانت مصر قد رفعت أسعار الكهرباء للقطاع التجاري منذ أيام بنسبة تراوحت بين 20 إلي 91 % .
وأوضح أن أنظمة التبريد في مراكز البيانات تستحوذ على %40 من فاتورة استهلاك الطاقة، في ظل الطبيعة المناخية التي تتطلب الحفاظ على مستويات دقيقة من الحرارة والرطوبة لضمان كفاءة التشغيل.
وأشار إلى أن تكاليف الاتصال والربط الدولي والصيانة الدورية وأنظمة الأمن السيبراني تأتي في مراكز متأخرة من حيث استهلاك الطاقة المباشر، لكنها تأثرت بشكل غير مباشر نتيجة ارتفاع تكلفة تشغيل البنية التحتية والخدمات المرتبطة بها.
وتابع قائلا إن هذا الواقع دفع المشغلين إلى إعادة تقييم معامل كفاءة استخدام الطاقة بشكل أكثر صرامة، حيث إن مركز البيانات التي يتجاوز معامل استهلاكها مستوى 1.5 تواجه تحديات اقتصادية تهدد ربحيتها، بينما تحافظ نظيرتها التي تقترب من 1.2 على قدرتها التنافسية من خلال تبني تقنيات متقدمة مثل التبريد بالسائل وإدارة الأحمال باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وبين أن ارتفاع تكلفة الطاقة لم يؤد إلى تأجيل المشروعات الكبرى، بل دفع إلى إعادة هيكلة تصميمها واختيار مواقعها، بحيث يرتبط اختيار الموقع بتوافر الطاقة واستقرارها، مع توجه لإنشاء المراكز بالقرب من نقاط إنزال الكابلات البحرية والمناطق ذات البنية التحتية الكهربائية المتطورة، مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لضمان استمرارية الخدمة وتقليل الاعتماد على المولدات التقليدية.
وأكد «فرجاني» أن هناك توجهًا مدعومًا من الدولة للاعتماد على الطاقة المتجددة، من خلال مشروعات تجريبية للربط مع محطات الطاقة الشمسية ومزارع الرياح، إلا أن التحدي يتمثل في الحاجة إلى طاقة مستقرة على مدار الساعة وارتفاع تكلفة أنظمة التخزين، ما يجعل الاعتماد الحالي قائمًا على التكامل مع الشبكة القومية للكهرباء.
وألمح إلي أن هذه المتغيرات تفرض ضغوطًا كبيرة على الشركات الصغيرة والناشئة، ما يدفعها نحو تبني نماذج تشغيل أكثر مرونة، مثل الحوسبة بدون خوادم (Serverless Computing)، التي تعتمد على سداد تكلفة الاستخدام الفعلي للموارد، بما يقلل من الهدر ويرفع كفاءة الإنفاق.
واختتم بأن قطاع مراكز البيانات في مصر يشهد تحولًا هيكليًا، حيث أصبحت الطاقة عاملًا استراتيجيًا يعيد تشكيل المشهد، مع اتجاه متزايد نحو تحسين الكفاءة وتبني حلول تكنولوجية متقدمة، بما يعزز القدرة التنافسية على المستوى الإقليمي والدولي.
ومن جانبه ، قال مصطفى ناصف، الخبير الدولي في مجال الحوكمة، إن مشروعات مراكز البيانات أصبحت تعتمد بشكل مباشر على الطاقة كأحد أهم عناصر التكلفة التشغيلية، سواء فيما يتعلق بتشغيل الخوادم أو أنظمة التبريد التي تمثل جزءًا كبيرًا من استهلاك الكهرباء داخل هذه المراكز.
وأوضح «ناصف» أن أي زيادة في أسعار الطاقة تنعكس بشكل فوري على موازنات الشركات العاملة في هذا القطاع، حيث تؤدي إلى ارتفاع كبير في التكاليف التشغيلية، وهو ما يضغط على العائد المتوقع من الاستثمار في مشاريع مراكز البيانات.
وأضاف أن هذا الوضع قد يدفع عددًا من الشركات إلى إعادة تقييم خططها الاستثمارية، مشيرًا إلى أن بعض الشركات قد تضطر إلى تأجيل تنفيذ مشاريع جديدة أو حتى إلغاء بعضها، بينما ستتمكن الشركات الكبرى فقط، التي تمتلك ملاءة مالية قوية، من الاستمرار في تنفيذ هذه الاستثمارات.
وأشار إلى أن التأثير في مصر قد يكون أكثر حساسية في الوقت الحالي، خاصة مع استمرار جهود إصلاح منظومة الكهرباء وإعادة هيكلة أسعار الطاقة، وهو ما يجعل أي زيادة في الطلب على الكهرباء أو في تكلفة الطاقة ذات تأثير مضاعف على القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل مراكز البيانات.
شاهد ايضاً
وأكد أن هذا التحدي قد يدفع الشركات إلى البحث عن بدائل أكثر استدامة، وعلى رأسها التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وهو ما يفتح في الوقت نفسه فرصًا استثمارية مهمة في قطاع الطاقة النظيفة خلال المرحلة المقبلة.
كما لفت إلى أن الشركات قد تتجه أيضًا إلى تطوير تقنيات تبريد أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة، إلى جانب دراسة إنشاء مراكز بيانات في مواقع جغرافية مختلفة أو دول تتمتع بتكلفة طاقة أقل، بما يساهم في تقليل الأعباء التشغيلية.
واختتم ناصف تصريحاته مؤكدًا أن جزءًا من الزيادات في التكلفة قد يتم تمريره في النهاية إلى العملاء، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد عالميًا على تقنيات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، وهو ما يقلل من قدرة الشركات أو المستخدمين على الاستغناء عن هذه الخدمات في المستقبل القريب.
وأضاف محمد عابدين، المدير الإقليمي لشركة كوربوريت ستاك لحلول التحول الرقمي، إن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، بما في ذلك في مصر، سيكون له تأثير واضح على مشروعات مراكز البيانات الجديدة، نظرًا لأن الكهرباء تمثل العنصر الأكبر في تكلفة التشغيل.
وأوضح أن الزيادة في أسعار شرائح الكهرباء ستضغط على العوائد المتوقعة للمستثمرين، وتدفعهم إلى إعادة تقييم خطط التوسع أو تأجيل تنفيذ بعض الأعمال القائمة.
وتوقع «عابدين» أن تشهد السوق توجهًا متزايدًا نحو الاعتماد على حلول أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، مثل تقنيات التبريد المتقدمة، إلى جانب الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة لتقليل المخاطر المرتبطة بتقلب الأسعار.
ورأي أن اختيار موقع المشروع أصبح يرتبط بشكل أكبر بتوافر الطاقة وتكلفتها، ما يجعل ملف الطاقة عاملًا حاسمًا في قرارات الاستثمار بقطاع مراكز البيانات.
وأكد أن البديل الأكثر شيوعا يتمثل في تحسين كفاءة التشغيل داخل مراكز البيانات القائمة، من خلال ضبط أنظمة التبريد، ورفع كفاءة استخدام الخوادم، وتقليل الطاقة المهدرة، باعتبارها خطوات سريعة وأقل تكلفة.
كما أشار إلى أن بعض الشركات قد تتجه إلى إعادة التفاوض مع موردي خدمات الكهرباء أو البحث عن تعاقدات طويلة الأجل بأسعار أكثر استقرارا، بدلا من الاستثمار الفوري في بنية تحتية جديدة للطاقة، موضحا أنه في العديد من الحالات، سيتم تمرير جزء من الزيادة في التكاليف إلى العملاء بشكل تدريجي، خاصة في الخدمات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ورأى أن التحول إلى استخدام مصادر الطاقة المتجددة في تشغيل مشروعات مراكز البيانات لا يتم بشكل كامل أو فوري، بل يبدأ على نطاق محدود أو من خلال شراكات، نظرًا لاحتياجه إلى وقت ورأس مال كبيرين، مؤكدًا أن الأقرب للتطبيق حاليًا هو إدارة التكلفة وتحسين الكفاءة، أكثر من الاعتماد على تغييرات جذرية سريعة.
واختتم ياسر عبد الحليم المدير التنفيذي للتكنولوجيا مجموعة يونيون جروب للأجهزة الكهربائية أن زيادة سعر الدولار ، والذي ارتفع من 47 إلى 54 جنيهًا يفوق تأثير ارتفاع أسعار الكهرباء على خدمات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات.
وأكد أن الشركات تواصل تقديم خدماتها دون توقف، رغم زيادة تكاليف الكهرباء، موضحا أن تحمّل الشركات أعباء تشغيلية أكبر ينعكس مباشرة على العملاء، حيث يتم تمرير الزيادات في التكاليف بنسب متقاربة.
وأشار إلى عدم وجود خطط محددة لدى الشركات للتعامل مع ارتفاع أسعار الكهرباء، باعتبارها عنصرًا ضمن عدة مكونات في هيكل التكاليف، موضحًا أن الشركات تعتمد في المقام الأول على دراسة السوق والتكاليف قبل تحديد نسب الزيادة المناسبة، موضحا أن تكلفة الإنتاج ذاتها تعد الأكثر تأثرا بهذه المتغيرات.
محتوى للمشتركين فقط
اشترك الآن للحصول علي كافة الأخبار الحصرية بالإضافة
لإشتراك النسخة الرقمية
اشترك الآن








