أسعار البنزين والديزل في ألمانيا سجلت ارتفاعاً غير مسبوق على الإطلاق في أبريل/ نيسان 2026. فوفقًا لموقع المقارنة “كليفر تانكن” (Clever Tanken)، بلغ متوسط سعر لتر الديزل في أكبر 100 مدينة ألمانية في ذلك الشهر أكثر من 2.43 يورو، بينما تجاوز سعر لتر البنزين سوبر إي 10 (Super E10) وبنزين 95 أوكتان بنسبة 10% إيثانول 2.18 يورو. حتى خلال أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، ظل سعر الوقود في ألمانيا، بعد تعديله وفقاً للقوة الشرائية، أقل بكثير من 2 يورو.

لا عجب في ذلك: فوفقاً للوكالة الدولية للطاقة (IEA)، تسببت حرب إيران في حالة من الاضطراب وصدمة في العرض، أثّرت على إمدادات الوقود العالمية بشكل أكبر بكثير من الحظر النفطي الذي فرضته دول منظمةأوبك العربية خلال أزمة النفط آنذاك. إضافة إلى ذلك، لم يؤثر انقطاع الإمدادات إلا على دول غربية مُحددة ساعدت إسرائيل في حرب “يوم الغفران” للدفاع عن نفسها ضد مصر وسوريا.

حالياً، يؤثر ارتفاعأسعار النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في السوق العالمية، على جميع البلدان تقريباً، ولو كان ذلك بدرجات متفاوتة. وسعياً منها لتهدئة السوق العالمية، قدّمت دول عديدة أجزاء من احتياطياتها الوطنية من النفط، لكن تأثير ذلك كان محدوداً. علاوة على ذلك، جاءت ردود فعل الحكومات والدول في العالم، متباينة. سنقدم لكم بعض الإجراءات الوطنية التي اتّخذتها بعض دول العالم:

أوروبا

في ألمانيا، أقدمت الحكومة الاتحادية على خفض ضريبة الوقود بمقدار 17 سنتاً. الحكومة الألمانية تُقدّر الخسارة الضريبية الناجمة عن ذلك بـ 1.6 مليار يورو. علاوة على ذلك، يُمكن لأصحاب العمل دفع “مكافأة إغاثة” مقدارها 1000 يورو لموظفيهم، وذلك لمرة واحدة هذا العام، معفاة من الضرائب والرسوم.

في إيرلندا، وبعد احتجاجات عنيفة ضد ارتفاع تكاليف الطاقة، أقرت الحكومة في دبلن حزمة إجراءات شاملة بقيمة نصف مليار يورو. ومن بين إجراءات أخرى، ستحصل قرابة 500 ألف أسرة ذات دخل منخفض على إعانة مالية، لتغطية تكاليف التدفئة. وفي محطات الوقود، تم إلغاء الرسوم البالغة 22 سنتاً لكل لتر من الديزل و 17 سنتاً لكل لتر من البنزين، حتى نهاية مايو/ أيار.

في تركيا، يتم تطبيق نظام ضريبة الوقود المتغيرة، منذ عام 2018. هذه الضريبة تنخفض عند ارتفاع الأسعار. بهذه الطريقة، تعمل الحكومة على تعويض التقلبات تلقائياً، لكن على حساب الإيرادات الضريبية. ومؤخراً، حذر وزير المالية التركي محمد شِمشك من أن هذا النظام لا يمكن تمويله إلا بشكل مؤقت، وليس في ظل استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق.

آسيا

إغلاق مضيق هرمز يؤثر بشكل مباشر للغاية على دول آسيوية عديدة تستورد جزءاً كبيراً من نفطها من منطقة الخليج. في الفلبين، مثلاً، تزيد هذه النسبة عن 90 في المائة. ومنذ 28 فبراير/ شباط، تضاعفت أسعار الديزل والبنزين في الفلبين. لكن حتى الآن، اكتفت الحكومة بتعليق الضريبة على الغاز المسال (LPG) الذي تحتاجه معظم الأسر الفلبينية للطهي. ومع ذلك، فإن سعر زجاجة الغاز المألوفة التي تزن 11 كيلوغراماً وتبلغ تكلفتها حوالي 14 يورو، لم ينخفض إلا بمقدار 50 سنتا.

ردة فعل اليابان وكوريا الجنوبية، جاءت عبر فرض سقف لأسعار الوقود. الحكومة اليابانية خصصت أكثر من 4 مليارات يورو للحفاظ على متوسط سعر البنزين عند ما يعادل 91 سنتاً للتر الواحد. الميزانية المخصصة لذلك ستكفي، وفقاً لحسابات أولية، لمدة ثلاثة أشهر تقريباً. أما الحكومة الكورية الجنوبية، فقد حددت بالفعل في مارس/ آذار سقفاً أعلى للأسعار يبلغ ما يعادل 1،19 يورو للتر الواحد من الوقود، لكنها رفعته بعد ذلك بوقت قصير بمقدار 14 سنتاً.

وتقدر الحكومة في سيول خسائر المصافي وتجار الجملة التي ينبغي تعويضها بحوالي ثلاثة مليارات يورو. وبمبلغ مماثل، تريد الحكومة دعم الأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض بتقديم حوالي 350 يورو لكل فرد.

الصين تُعدّ أقل اعتماداً بكثير على النفط والغاز الطبيعي كمصادر للطاقة، مقارنة بجارتيها الشرقيتين. فالفحم يلعب دوراً أكبر بكثير في الصين، وكذلك الطاقة المتجددة. لهذا السبب، ارتفعت تكاليف الطاقة هناك بشكل عام بوتيرة أكثر اعتدالًا.

لكن ذلك لا يُغير الكثير في محطات الوقود. فالدولة تنظم الأسعار، لكنها لا تستطيع التخفيف من تأثير تطورات السوق العالمية إلا بشكل محدود. وبناء على ذلك، فإن أسعار الوقود في الصين حالياً أعلى بنحو 30 في المائة عما كانت عليه قبل شهرين.

أما الهند، فقد خفضت ضريبة الوقود بمقدار 0.09 يورو للتر الواحد، أي نحو 10 في المائة من السعر. إضافة إلى ذلك، رفعت الحكومة الهندية الضرائب على تصدير الديزل ووقود الطائرات، لكي يبقى مزيدٌ من الوقود داخل البلاد.

بدورها، اتّبعت باكستان نهجاً مختلفاً تماماً. فمن بين إجراءات عديدة، أصدرت الحكومة تعليمات لأصحاب العمل بالسماح لـ 50 في المائة من الموظفين بالعمل من المنزل. كما يعمل الموظفون الحكوميون حالياً أربعة أيام فقط في الأسبوع. ويتعين على الهيئات الحكومية أن تعمل لمدة شهرين باستخدام كمية وقود أقل بنسبة 50 في المائة.

إفريقيا

في إفريقيا أيضاً، أقدمت دول عديدة على تنظيم أسعار الوقود. ففي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، تحدد السلطات المختصة أسعار الوقود مرة واحدة شهرياً، وفقًا لصيغة تسعير صارمة تراعي، من بين أمور كثيرة، أسعار السوق العالمية وأسعار صرف العملات.

منذ فبراير/ شباط، ارتفعت أسعار أنواع مختلفة من البنزين بنسبة 20 في المائة تقريباً، بينما ارتفعت أسعار الديزل بنسبة 40 في المائة. خلال شهر أبريل/ نيسان، خفضت الحكومة ضريبة الوقود بنحو 16 سنتاً للتر الواحد، بحيث يبلغ سعر البنزين حالياً نحو 1.27 يورو للتر الواحد، والديزل حوالي 1.35 يورو.

سائقو السيارات في العاصمة الكينية نيروبي يصطفون لملء خزانات سياراتهم للمرة الأخيرة قبل الزيادة المعلنة في الأسعار.صورة من: Tony Karumba/AFP

في كينيا، تحدد السلطات المعنية سعراً أقصى. وقد حافظت على هذا السعر لفترة طويلة، على الرغم من ارتفاع أسعار السوق العالمية. لكن، لم يتم تطبيق حدود أعلى مع انخفاض ضريبة القيمة المضافة بنسبة ثلاث نقاط مئوية إلا منذ مساء الثلاثاء (14 أبريل/ نيسان 2026). في نهاية المطاف، ارتفع سعر البنزين بنحو 16 في المائة، والديزل بنسبة 24 في المائة. والآن، يبلغ سعر كلاهما نحو 1.36 يورو للتر الواحد.

في غانا، حددت الهيئة الوطنية للنفط (NPA) سعراً أدنى تستند إليه محطات الوقود في ظل المنافسة الحرة السائدة. منذ نهاية فبراير/ شباط، رفعت الهيئة السعر الموصى به للبنزين بنسبة 27 في المائة ليصل إلى 1.02 يورو للتر الواحد، ورفعت سعر الديزل بنسبة تقارب 50 في المائة ليصل إلى 1.32 يورو. لكن حتى الآن، اكتفت الحكومة بالإعلان عن خفض العبء الضريبي.

أمريكا

في المكسيك، اتفقت الحكومة مع غالبية مشغلي محطات الوقود على سقف غير رسمي للأسعار يبلغ حوالي 1.18 يورو للتر الواحد من البنزين و1.37 يورو للتر الواحد من الديزل. في المقابل، يتدفق حوالي 250 مليون يورو أسبوعياً إلى قطاع النفط، من ضريبة الطاقة. لولا ذلك، لارتفعت الأسعار بنسبة تصل إلى 25 في المائة، وفقاً للرئيسة كلاوديا شينباوم.

في الأرجنتين، فرضت الحكومة ذات التوجه الحاد حيال السوق قيوداً صارمة على نفسها في ما يتعلق بالدعم الحكومي. وبدلاً من ذلك، اتفقت السلطات مع شركة النفط الحكومية YPF على الحفاظ على استقرار أسعار الوقود لمدة 45 يوماً، بعد أن كانت قد ارتفعت بالفعل بنحو 15 في المائة. في المقابل، يُسمح الآن بخلط مزيد من الإيثانول في البنزين، كما سيتم تأجيل الزيادة المقررة في ضريبة النفط. وكانت شركة النفط الحكومية YPF قد استفادت في السابق من عملية تحرير السوق التي قامت بها الحكومة الحالية.

في الولايات المتحدة، كانت الحكومة تأمل، لكن دون جدوى، في أن يظل سعر البنزين دون العتبة “السحرية” البالغة أربعة دولارات للغالون (حوالي 0.97 يورو للتر)، وهو ارتفاع بنسبة 35 في المائة منذ نهاية فبراير/ شباط. الحكومة الفيدرالية في واشنطن العاصمة لم تتخذ حتى الآن أي خطوات لخفض الأسعار بشكل مصطنع. لكن بعض الولايات قامت بتعليق الضريبة على البنزين. ففي ولاية إنديانا، على سبيل المثال، يدفع سائقو السيارات حالياً 0,04 يورو أقل، لكل لتر.

أعده للعربية: علاء الدين عبد القادر

تحرير: عادل الشروعات