خاصارتفاع أسعار الوقود
يشعل ارتفاع أسعار الوقود موجة جديدة من القلق في الأوساط الاقتصادية، مع تسارع الضغوط التضخمية وتآكل القدرة الشرائية، في وقت تعاني فيه الأسواق بالفعل من هشاشة ناتجة عن التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد.
يمتد تأثير ذلك الارتفاع من تكلفة النقل والطاقة ليغذي دوامة أسعار تشمل الغذاء والخدمات، ما يضع صناع القرار أمام معادلة معقدة.
ويفرض هذا الواقع على الحكومات والبنوك المركزية خيارات صعبة تتراوح بين كبح التضخم عبر تشديد السياسات النقدية، أو دعم النمو عبر تخفيف الأعباء عن المستهلكين والشركات. وبين هذين المسارين، تتسع فجوة المخاطر، حيث قد يؤدي التشديد إلى تباطؤ اقتصادي حاد، فيما قد يقود التراخي إلى ترسيخ موجات تضخمية طويلة الأمد يصعب احتواؤها.
يعيد هذا المشهد طرح تساؤلات جوهرية حول حدود التدخل الحكومي وقدرته على موازنة الاستقرار الاقتصادي مع الاعتبارات الاجتماعية، خاصة في الدول المستوردة للطاقة. ومع استمرار تقلبات أسواق الوقود، تبدو السياسات الاقتصادية أمام اختبار حقيقي، قد يفرض إعادة صياغة الأولويات بين حماية النمو، وضبط الأسعار، والحفاظ على الاستقرار المالي.
نزاع مطول
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” إلى أنه:
- مع استمرار انسداد تدفق الطاقة عبر الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط، يواجه صناع السياسات في أوروبا التأثير المباشر لارتفاع التكاليف ويحاولون فك شيفرة الضرر الاقتصادي المحتمل لنزاع مطول.
- مع إبقاء مسؤولي البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا أسعار الفائدة ثابتة يوم الخميس، فإن المستثمرين يراهنون على أن يرفع كل بنك مركزي أسعار الفائدة مرتين على الأقل في وقت لاحق من هذا العام.
- سيراقب الاقتصاديون والمشرعون عن كثب أي مؤشرات حول كيفية استجابة البنوك المركزية لارتفاعات التضخم.
- أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي للوقود والسلع الأخرى قبالة الساحل الجنوبي لإيران، إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة. فقد تجاوز سعر خام برنت، المعيار الدولي، 100 دولار للبرميل، بينما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي بنحو 40 بالمئة منذ بدء الحرب في نهاية فبراير.
ويشير التقرير إلى أنه كان للحرب تأثير فوري تقريبًا على التضخم في أوروبا، إذ رفعت أسعار البنزين في محطات الوقود، وأسعار تذاكر الطيران، وغيرها من الأنشطة كثيفة الاستهلاك للوقود.
وفي بريطانيا، ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 3.3 بالمئة في مارس، ومن المتوقع أن يبقى عند حوالي 3 بالمئة خلال الربع الثاني، أي أعلى بنقطة مئوية واحدة من هدف البنك المركزي. أما بالنسبة للدول الـ 21 التي تستخدم اليورو، فقد بلغ متوسط التضخم 2.6 بالمئة في مارس، مرتفعًا من 1.9 بالمئة في الشهر السابق.
لكن بالنسبة للبنوك المركزية، يكمن السؤال في ما إذا كانت الأسعار المرتفعة ستؤثر على الاقتصاد وتؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع الأجور، مما قد يُشعل دوامة من تصاعد الأسعار تستدعي رفع أسعار الفائدة بشكل حاد كما حدث في عام 2022.
ويوضح التقرير أنه في الوقت الراهن، يقول المحللون إنه لا توجد معلومات كافية حول كيفية تأثير الحرب، التي تبدو في حالة ترقب ، على الاقتصاد. وبينما مدد الرئيس ترامب وقف إطلاق النار في المنطقة، لا تزال حركة المرور عبر المضيق ضعيفة.
في الوقت نفسه، تجرى الموازنة بين المخاوف بشأن التضخم واحتمالية تضرر النمو الاقتصادي جراء الحرب. في هذه الحالة، لن يرغب صناع السياسات في تشديد الأوضاع المالية. وقد أظهرت بيانات هذا الأسبوع انخفاض ثقة المستهلك في ألمانيا، أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، إلى أدنى مستوى لها في ثلاث سنوات.
و هذا الشهر، توقع صندوق النقد الدولي أن ينمو اقتصاد المنطقة بنسبة 1.1 بالمئة هذا العام، لكن ذلك يفترض حلاً سريعاً نسبياً للحرب وانتعاش أسواق الطاقة العالمية.
مرحلة “حرجة وخطيرة”
تقول خبيرة النفط والغاز،لوري هايتايان، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
شاهد ايضاً
- تطورات الأزمة الحالية في المنطقة دفعت بأسواق الطاقة إلى مرحلة “حرجة وخطيرة”.
- الارتفاعات الحادة في الأسعار تعكس غياب أي أفق سياسي واضح للحل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، خاصة بعد رفض الرئيس دونالد ترامب للمقترحات الإيرانية الأخيرة وعدم الدخول في مفاوضات أوسع.
- استمرار إغلاق المضيق مع السماح الجزئي بمرور السفن غير المرتبطة بإيران، لا يلغي المخاطر، حيث لا تزال التهديدات الأمنية قائمة، سواء عبر الألغام البحرية أو التصعيد العسكري، وهو ما يبقي أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم تحت الضغط.
- أي حلول جزئية، مثل تخصيص مسارات آمنة للسفن غير الإيرانية، قد تخفف مؤقتاً من الأزمة، لكنها لا تعالج جوهر المشكلة.
وتشدد على أن غياب جدول زمني واضح لإعادة فتح المضيق يفاقم من تقلبات الأسعار، مرجحةً استمرار موجة الصعود في أسعار الوقود، مع احتمالات حدوث شح في الإمدادات إذا لم يتم اللجوء سريعاً إلى السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية من قبل وكالة الطاقة الدولية والدول الكبرى.
وفي هذا السياق، تلفت إلى أن الحكومات قد تضطر لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة للحد من الطلب، تتجاوز مجرد التوصيات، مثل فرض قيود على استهلاك الوقود، وتشجيع العمل عن بُعد، خاصة في ظل بدء شركات الطيران بالفعل في تقليص رحلاتها لتخفيف الضغط على الطلب.
كما تشير إلى أن تداعيات الأزمة بدأت تظهر بوضوح على الاقتصادات العالمية، مع تسارع معدلات التضخم في أوروبا، في وقت تواجه فيه القارة ضغوطاً إضافية نتيجة قرار روسيا تقليص إمدادات النفط الكازاخستاني إلى ألمانيا عبر خط “دروغبا”، وهو ما يزيد من الضغوط على المصافي وأسعار الوقود، خاصة البنزين ووقود الطائرات.
وتختتم هايتايان حديثها بالتأكيد على أن المشهد الحالي ينذر بمزيد من التعقيد، في ظل استخدام موسكو لورقة الطاقة للضغط على الحكومات الأوروبية، ما يضع الاتحاد الأوروبي أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في احتواء التضخم وضمان أمن الطاقة دون العودة إلى الاعتماد على النفط الروسي.
الانتظار والترقب
وكتب محللون في بنك HSBC في مذكرة:
- “سيظل البنك المركزي الأوروبي في وضع الترقب والانتظار، على الأقل في الوقت الراهن”.
- لكن “خطر انقطاع إمدادات الطاقة لفترة طويلة، إلى جانب مخاطر الآثار الجانبية على التضخم”، يزيد من احتمالية رفع البنك المركزي لأسعار الفائدة لاحقاً.
إنها معضلة تواجه البنوك المركزية في مناطق أخرى أيضاً، فهذا الأسبوع، صوّت بنك اليابان على تثبيت أسعار الفائدة، لكن القرار كان منقسماً، حيث فضّل عدد من المسؤولين رفعها. ورفع البنك المركزي توقعاته للتضخم، محذراً في الوقت نفسه من احتمال تباطؤ النمو الاقتصادي هذا العام.
يوم الأربعاء، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة ثابتة. وأقرّ بتأثير الحرب على الاقتصاد، قائلاً إن التضخم قد ارتفع قليلاً بسبب “الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية”.
التطورات العالمية
من جانبه، يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- التطورات الاقتصادية العالمية الراهنة تفرض واقعًا جديدًا على الأسواق، يتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وتزايد الضغوط التضخمية، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة.
- الاقتصادات الكبرى باتت تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح جماح التضخم والحفاظ على وتيرة النمو.
- السياسات النقدية المتشددة التي تنتهجها البنوك المركزية قد تنعكس سلبًا على معدلات الاستثمار والسيولة في الأسواق الناشئة.
ويضيف: “المنطقة العربية، رغم تأثرها بهذه المتغيرات، تمتلك فرصًا مهمة للاستفادة من التحولات الجارية، لا سيما الدول المصدرة للطاقة”، مؤكدًا أن تعزيز التنويع الاقتصادي وتسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية يمثلان عاملين حاسمين في مواجهة التقلبات العالمية.
ويختتم الرفاعي حديثه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب قدرًا أكبر من التنسيق الدولي، إلى جانب تبني سياسات اقتصادية مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات المتسارعة في المشهد العالمي.
عيتاني: ارتفاع أسعار الوقود يجبر شركات الطيران على الاندماج








