أثار إعلان وزارة الإسكان المصرية تحديد سقفسعري لوحدات محدودي الدخل ضمن مبادرة “سكن لكل المصريين” التي تطرحهاالدولة مع مطورين من شركات خاصة ليبلغ 1.25 مليون جنيه للوحدة ( حوالي 23.500 ألفدولار)، و1.35 مليون جنيه (نحو 25.400 ألف دولار) للوحدات المزودة بمصعد، انتقاداتبعدم منطقية الطرح.الخبير الاقتصادي عبدالنبي عبدالمطلب، تحدث عنمفارقة عدم توافق السعر المعروض للوحدات السكنية لمحدودي الدخل مع دخلهم الشهري،ومع الحد الأدنى للأجور البالغ فقط 7 آلاف جنيه، مبينا أنه “لو تم التقسيطعلى 20 سنة، فإن القسط الشهري لن يقل عن 6 آلاف جنيه”، ملمحا إلى أنه“في هذه الحالة فإن دخل محدودي الدخل يجب أن يكون في حدود 24 ألف جنيهشهريا”، الدولار يساوي (53 جنيها)”.وفي حين أكد متابعون عبر مواقع التواصلالاجتماعي أن “تلك الوحدات لا تناسب محدودي الدخل وأنه يتم خداع المصريينبهذه المبادرات”، اعتبرها السياسي المصري سمير عليش، في حديثهلـ”عربي21”: “استمرارا لسياسات المنظرة على البعض، والفهلوة علىمحدودي الدخل، والتيسير على السلطات السيادية”.وألمح مصريون إلى أنه “وخلال عهد الرئيسحسني مبارك، تم طرح عدد من المبادرات الحقيقية لمحدودي الدخل، مع تخصيص واسعللأراضي بالمدن الجديدة بأسعار مدعمة وتقديم تسهيلات في سداد الأراضي، مع دعمحكومي بمواد البناء كالإسمنت والحديد”، في إشارة إلى مبادرة “ابنيبيتك” بالمدن الجديدة.

أطماع السيسي وأحلام البسطاء

وأشار المطور العقاري بمدن “العاشر منرمضان” و”بدر” و”الشروق”، قرب العاصمة الإدارية الجديدة،سيد محمود، إلى أن “خداع البسطاء بحلم السكن في مدينة جديدة بعيدا عن زحامالقاهرة وعدم وجود خدمات في الريف بدأ مع انتباه رئيس النظام عبدالفتاح السيسي،لأهمية وقيمة الأراضي الصحراوية، وتوجهه نحو شق طرق داخلية ومواصلات إلى شرق وغربالقاهرة”.وأوضح سيد، في حديثه لـ”عربي21″، إلىأنه “قبل ثورة يناير 2011، كان يُطلب فقط مبلغ 1000 جنيه كمقدم لقطعة أرض فيمدينة بدر والشروق والعاشر من رمضان كاملة المرافق، ويتم سداد أقساطها على فتراتطويلة، حتى تم إلغاء مسابقة الإسكان الاجتماعي عقب الثورة، ومع عودتها قرر السيسي،أن يحتكر جميع الأراضي، ليبني هو والجيش وشركات الدولة والمطورين العقاريين الكبارفقط”.وبين أنه “قلص تماما حصص أراضي الإسكانالاجتماعي للفقراء ومحدودي الدخل، ووضع شروطا قاسية على الحصول على شقق الإسكانالاجتماعي مع رفع أسعارها، وبدأ بشراسة منافسة الأهالي وشركات بناء الإسكان صغيرةالإمكانيات في البناء بالمدن الجديدة”.واستدرك: “لكنه ورغم حصوله على الأراضيمجانا، ودفع مقابل بسيط عن الخدمات، وحصوله على مواد البناء بأسعار أقل من السوقوالقطاع الخاص، فرض سطوته على السوق وضاعف أسعار الأراضي المطروحة وأسعار الشقق،خاصة كمبوندات الجيش مثل (دار مصر) وغيرها، ما فاقم أسعار الشقق القديمة والجديدةعلى محدودي الدخل”.وأشار إلى أنه قبل أعوام من توغل الحكومةوالجيش في قطاع البناء كان يمكن للمواطن دفع 50 ألف جنيه مقدم شقة بقيمة 150 و200ألف جنيه بتقسيط لعدة سنوات من شركات الإسكان المتوسط والأهالي، ولكنه الآن وفي ظلالوضع الاقتصادي الصعب من أين يحصل على مقدم شقة ثمنها 2 و3 مليون جنيه؟، وكيفسيدفع أقساطها؟”، ملمحا إلى أن “سوق العقار متضرر بشكل كبير ومصاب بحالةمن الركود والمخاوف”.

اقرأ أيضاً

تراجع أسعار الذهب في منتصف تعاملات اليوم 14 مايو

كيان مريب.. وسياسات التغول

وفي خطوة تثير المخاوف من سيطرة حكومية علىقطاع البناء والتشييد وتثير توجس المطورين العقاريين الصغار، تدرس الحكومة إنشاءكيان موحد يضم جميع المطورين العقاريين، وإعداد إطار تشريعي ومؤسسي لتنظيم السوقبما يحقق توازن بين حق الدولة والعملاء والمطورين.وفي حين يقوم الكيان الجديد بتصنيف المطورينالعقاريين لعدة شرائح وفقا لقدراتهم المالية والفنية، يرى المطور العقاري المهندسأحمد عبده، أن “هذا يحرم فئة منهم من المشاركة في تطوير المشروعات الكبيرةبدعوى عدم امتلاك الملاءة المالية أو الفنية، ما يجعلهم فريسة للشركات الكبرىوالاكتفاء بالعمل من ستار خلفها بأقل الأسعار والضمانات، وفق قوله لـ”عربي21”.ومنذ تولي رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، ولديهنهم واسع بحصر الأراضي والوحدات السكنية وإعادة طرحها أمام مستثمرين استراتيجيينمصريين وعرب وأجانب، مع تراجع تخصيص الأراضي لمشروعات الإسكان لمحدودي الدخل، فيماطالب رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وزيري الإسكان والعدل، الأسبوع الجاري بحصر شاملللأراضي والوحدات السكنية غير المستغلة بالجمهورية إعادة استغلالها.وتواجه الحكومة المصرية انتقادات واسعة لتوجههاللتعامل مع المطورين العقاريين الكبار، ونحو المشروعات الفندقية والفاخرةوالسياحية بالساحل الشمالي الغربي وسواحل البحر الأحمر وفي شرق وغرب القاهرة،والتي كان آخرها إطلاق الحكومة مشروع “ذا سباين”، مع مجموعة “طلعتمصطفى” القابضة، داخل تجمع “مدينتي” شرق القاهرة الشهر الماضي،ليحقق المشروع بعد دعاية مكثفة أثارت غضب المصريين ودون وضع حجر الأساس، 30 مليارجنيه مبيعات في 15 يوما.

عقاب “الهدم” و”الجباية”

وفي المقابل، يشير مقاول وتاجر مواد البناءأشرف محمود، إلى “تضييق الحكومة على البناء في المدن والقرى المصرية وحرمانآلاف المهنيين من العمل منذ العام 2017، وبالتالي حرمان ملايين الشباب من اقتناءوحدة سكنية بالبناء أو بالتعلية بأدوار أعلى، مع منع توسعة الأحوزة العمرانية فيالمدن والقرى رغم مرور أكثر من عقد على آخر تحديث لها”.وقال إن “الدولة تتجاهل وجود أجيال جديدةمن محدودي الدخل يحتاجون السكن ولا يقدرون على شراء وحدات سكنية من المطورينالعقاريين الذين تعج بهم إعلانات الفضائيات، كما لا يمكنهم السكن في القاهرة أوالمدن الجديدة لعدم قدرتهم المالية؛ ما خلق أزمات اجتماعية أخرى كتراجع معدلاتالزواج وبطالة قطاع كبير من المهنيين، واضطرار كثرين للهجرة غير الشرعية إلى ليبياوتعرضهم لخطر الغرق أو العمل بشكل غير قانوني بدول عربية كالعراق والإمارات”.ووصف الأمر بأنه “عقاب من الدولة للمصريينالذين تمكن بعضهم بسبب قدرته المالية عبر السفر للخارج أو عبر بيع أراضي أوممتلكات قام ببناء سكن له ولأبنائه ليصطدم بلوادر الوحدات المحلية وقوات الشرطةوهدم (شقى عمرهم)، لتصدمهم الحكومة بإصدارها قانون التصالح على البناء لعام 2019،و2023، والذي فاقم معاناة الأهالي المالية وعاقبهم بدفع مبالغ كبيرة وحرمهم منالبناء والتعلية”.وقبل أيام شهدت مواقع التواصل الاجتماعي واقعةتكشف عن عقاب الحكومة للمصريين بهدم ما بنوه من عقارات، ففي مشهد مؤلم حاولت سيدةمُسنة تقبيل قدم رئيسة مركز ومدينة بني مزار بمحافظة المنيا، خلال حملة إزالةلمنزلها الأسبوع الماضي، قائلة لها: “سنبيت في الشارع”.وبينما تتجاهل السلطات مطالبات الأهالي بوقفعمليات الهدم أو توفير سكن بديل لملايين المتضررين، حصلت الحكومة على 15.6 مليارجنيه من 1.75 مليون طلب تصالح في مخالفات البناء من مليوني طلب، بحسب بيان لوزارةالتنمية المحلية.ويلفت مواطنون إلى أن الحكومة تعاقب كل من وضعحجرا لبناء مسكن، بمضاعفة أسعار تكلفة توصيل المرافق كالكهرباء والمياه والصرفالصحي، مشيرين لزيادة أسعار الكهرباء عبر العدادات الكودية، في نيسان/أبريل الماضي،وجعلها بسعر ثابت (2.74 جنيه لكل كيلوواط/ساعة)، على نحو 2.6 مليون عداد.وفي حين مثل القرار صدمة للكثيرين حتى لغيرالمخالفين كونه يضع عبئا كبيرا على محدودي الدخل مقارنة بنظام الشرائح التدريجيالمطبق على العدادات القديمة؛ قابل رئيس الوزراء مصطفى مدبولي شكاوى المواطنين،بالقول الاثنين الماضي، إن “الإجراء الأصلي تجاه تلك المباني كانالإزالة”، مستنكرا على آلاف محدودي الدخل شكواهم.

شاهد أيضاً

برج الجوزاء.. حظك اليوم الخميس 14 مايو: علاقات اجتماعية

دعم المطورين المحليين والأجانب

وفي مقابل القيود الحكومية المفروضة على الطبقةالمتوسطة والفقيرة من المصريين في قطاع البناء، خفضت الحكومة الرسوم المفروضة علىمشروعات الشراكة العقارية بالساحل الشمالي، وقلصت قيمة الرسوم التي يتحملهاالمطورون بنحو 48 بالمئة إلى 50 بالمئة، وذلك في قرارات تسري على المطورين العربوالأجانب.وأجمع عدد من المطورين العقاريين على أن أسعارالعقارات في مصر تتجه لتسجيل زيادات جديدة العام الجاري، مع ضغوط التكلفة الناتجةعن ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات ومواد البناء، إلى جانب تأثيرات سعر الصرفوالفائدة وفق حديثهم لـ”الشرق مع بلومبيغ”.وتوقع رئيس مجلس إدارة “الأهلي صبور”أحمد صبور، زيادة من 15 إلى 20 بالمئة في أسعار البيع هذا العام، ليضاعف رئيس مجلسإدارة “مجموعة السالم القابضة” بهاء سالم، توقعاته لتكون بين 30 و35بالمئة زيادة بأسعار العقارات.ومنذ بداية الحرب“الأمريكية-الإسرائيلية” على إيران، تراجعت العملة المصرية من مستوياتقرب 46 جنيها للدولار إلى ما يزيد عن 53 جنيها حاليا، إثر هروب أجانب من أدواتالدين الحكومية والبورصة، في حين رفعت الحكومة أسعار الوقود والغاز بين 14 و30بالمئة، ما أثر على قطاعات النقل وصناعات مثل الإسمنت والحديد وخامات التشطيبات.

حتى البديل أصبح صعبا

وفي ظل تراجع مبيعات الشقق السكنية وفق تأكيدمطورين عقاريين وسماسرة ومتعاملين في السوق، ومع تراجع القدرة الشرائية لدى كثيرمن المصريين، يلجأ من لا يملك شقة من الشباب المقبل على الزواج إلى بديل الإيجاراتبالعاصمة القديمة والمدن الجديدة ما دفع بهذا الخيار أيضا إلى زيادات سعرية لايقدر عليها كثيرون.وبلغت الزيادة السعرية بإيجارات مدينة“السادس من أكتوبر” 11.2 بالمئة، و10 بالمئة بالقاهرة الجديدة في الربعالأول من العام الجاري، بحسب شركة الاستشارات العقارية “جيه إل إل”،التي كشف تقريرها أن هذا الاتجاه دفع كبار المطورين إلى “تمديد خطط السدادوتقديم تخفيضات للمشترين، في حين أحجم صغار المطورين، الذين يعانون من أزماتسيولة، عن طرح أي مشروعات جديدة”.وفي جولة لـ”عربي21″، بمنطقة أرضالدلتا بحي شبرا الخيمة الشعبي شمال القاهرة، أكد سماسرة أن “أسعار الشققالسكنية ارتفعت إلى معدلات غير مسبوقة وأن الشقة التي كان سعرها 100 ألف جنيهبمساحة 80 و90 مترا قبل 10 أعوام سعرها اليوم مليون جنيه على التشطيب”.وبينوا أنه “في المقابل فإن أسعار الإيجاراتارتفعت من معدلات 1000 جنيه إلى ما بين 4 و5 آلاف جنيه، ما يفوق قدرة الشباب فيحالة الشراء والإيجار معا”.