في مشهد لم تشهده أوروبا منذ عقود، بات سعر لتر البنزين يضاهي تكلفة وجبة كاملة في المقاهي الأوروبية. مع تصاعد النزاع الجيوسياسي في الشرق الأوسط وارتفاع سعر برميل النفط فوق حاجز 100 دولار، لم يعد المواطن الأوروبي أمامه رفاهية الاختيار بين “البيئة” أو “الميزانية”، بل أصبح مضطراً للبحث عن ملاذ آمن من تقلبات أسعار المحروقات.


هذا الملاذ لم يعد مجرد سيارة صغيرة موفرة للوقود، بل قفزة كاملة إلى عالم السيارات الكهربائية. ففي شهر أبريل وحده، سجلت أوروبا طفرة غير مسبوقة في مبيعات السيارات الكهربائية، حيث تحولت أزمة الطاقة إلى محفز رئيسي لتسريع الانتقال الطاقي الذي كان يسير بخطى بطيئة. من مدريد إلى برلين، ومن روما إلى باريس، بدأ المستهلك يعيد حسابه: هل يستمر في دفع ثمن باهظ للبنزين، أم يتحول إلى الكهرباء التي لا تزال أرغم على الرغم من ارتفاع فواتير الطاقة؟


 


أرقام قياسية: نمو 34% في أبريل


كشفت بيانات حديثة، نقلتها صحيفة “لا راثون” الإسبانية، أن تسجيلات السيارات الكهربائية الجديدة في 16 سوقاً أوروبياً (تمثل أكثر من 80% من مبيعات السيارات في الاتحاد الأوروبي ورابطة التجارة الحرة الأوروبية) ارتفعت بنسبة 34% على أساس سنوي خلال شهر أبريل الماضي.


هذا النمو لم يأت من فراغ، بل جاء مكملاً لزخم بدأ في عام 2025، والذي سجلت فيه مبيعات السيارات الكهربائية بالكامل زيادة بنسبة 30% في أوروبا. لكن الفارق أن نمو 2025 كان مدفوعاً بالوعي البيئي والحوافز الحكومية، بينما نمو أبريل 2026 مدفوع بالخوف من نضوب الجيب. ومع ذلك، يلاحظ أن الأرقام الحالية لا تزال أقل من التوقعات المتفائلة التي وضعها كبار المصنعين في السنوات الماضية، مما يشير إلى أن السوق ما زال لديه مجال للنمو.


 


اقتصاديات جديدة: سعر البرميل يغير المعادلة


ويعتبر العامل الأهم الذى فجر هذه الطفرة هو سعر النفط ، مع تجاوز خام برنت حاجز 105 دولارات للبرميل فى الأسواق العالمية ، أصبح الفارق تكلفة الاستخدام اليومى بين السيارة التقليدية والكهربائية هائلا.


في الدول المستوردة الصافية للطاقة مثل المملكة المتحدة، حيث تعاني الأسر بالفعل من ضغوط التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية، تحولت السيارة الكهربائية من “رفاهية خضراء” إلى “ضرورة اقتصادية”. لم يعد السائق الأوروبي يسأل “هل هذه السيارة صديقة للبيئة؟”، بل أصبح سؤاله “كم سأوفر في الشهر إذا تخليت عن البنزين؟”.


هذا التحول من بيئي إلى اقتصادي،  هو ما جعل قطاعاً واسعاً من المستهلكين، ممن كانوا مترددين، يقفزون إلى عالم الكهرباء.


 


المستعمل أفضل من الجديد: طلب تاريخي على السيارات المستعملة


أحد أكثر المؤشرات إثارة للدهشة في هذا التقرير هو أن الطفرة لم تقتصر على السيارات الجديدة فحسب، بل امتدت بقوة إلى سوق المستعمل.
وسجلت شركة “أوكتوبس إلكتريك فيكلز” البريطانية، المتخصصة في حلول التنقل الكهربائي، أرقاماً خرافية في أبريل: قفز الطلب على السيارات الكهربائية الجديدة بنسبة 95% مقارنة بالعام الماضي. أما الرقم الأكثر إثارة فكان الطلب على السيارات الكهربائية المستعملة، الذي ارتفع بنسبة 160%.


هذا يعني أن المستهلك العادي، الذي لا يملك ميزانية لشراء سيارة جديدة بقيمة 40 ألف يورو، بدأ يبحث في السوق الثانوي. دول جنوب أوروبا مثل إيطاليا وإسبانيا، حيث الدخل أقل نسبياً من نظيراتها الشمالية، شهدت زخماً كبيراً في استفسارات شراء سيارات كهربائية مستعملة. هذا الاتجاه يعتبر صحياً جداً لسوق الكهرباء، لأنه يعني أن التحول لم يعد حكراً على الأغنياء.


 


العلامات الصينية: المستفيد الأكبر من أزمة الأسعار


اللاعب الجديد الذي يخطف الأضواء في هذه الموجة هو العلامات التجارية الصينية. بينما كانت السيارات الأوروبية التقليدية (مثل فولكس فاجن، رينو، وستيلانتس) تراهن على التكنولوجيا والرفاهية، قدمت الصين (بشركات مثل BYD، ليبموتور، وإكس بينج) سلاحاً مختلفاً، وهو السعر


بفضل سلاسل التوريد المتكاملة وتكاليف الإنتاج المنخفضة، تستطيع السيارات الصينية تقديم موديلات كهربائية بأسعار أقل بكثير من منافساتها الأوروبية. في ألمانيا، أكبر سوق للسيارات في أوروبا، ارتفعت نسبة الاستفسارات عن السيارات الكهربائية من 40% إلى 75% منذ بداية الحرب، بينما انهار الاهتمام بسيارات البنزين من 33% إلى 16%. وفي خضم هذا الفراغ، استحوذت العلامات الصينية على حصة كبيرة من هذه الاستفسارات.