جوزيف كوتيريل وإيان سميث

أدى انتعاش الدولار إلى تراجع الرهانات على عملات الأسواق الناشئة الكبرى وكبار منتجي السلع الأساسية، حيث قلب التحوّل المتشدد من جانب الاحتياطي الفيدرالي، ما كان يُعتبر من أقوى الصفقات في أسواق الصرف الأجنبي هذا العام.

وشهدت عملات مثل البيزو الأرجنتيني والكرونة النرويجية انخفاضاً خلال الأسابيع الأخيرة، مع بدء الأسواق في استيعاب فكرة ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، وهو ما عزز جاذبية الأصول الدولارية.

وتأكيداً على هذا التحوّل، تخلّى كيفن وارش عن ميل الاحتياطي الفيدرالي طويل الأمد نحو خفض أسعار الفائدة، في أول اجتماع له كرئيس للبنك المركزي، يوم الأربعاء. ويتوقع المتداولون في أسواق العقود الآجلة الآن رفعاً لسعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول أكتوبر. ويقول روشاب أمين مدير محافظ الأصول المتعددة في شركة أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس: «إن توقعات التحول نحو سياسة نقدية متشددة في الولايات المتحدة، تُعيد تشكيل أسواق العملات، مشيراً إلى أن ذلك يُضعف العملات التي كانت تُقدم ما يوصف بعائد ارتفاع أسعار الفائدة المتوقعة».

وانخفض الريال البرازيلي والدولار الأسترالي والوون الكوري الجنوبي بأكثر من 2 % مقابل الدولار خلال الشهر الماضي، وسط تراجع في عملات متنوعة، مثل الرينغيت الماليزي والدولار الكندي. كما انخفضت الكرونة النرويجية بأكثر من 4 %.

ومن خلال زيادة المنافسة على رؤوس الأموال المتقلبة، يُمكن أن تُقلل عوائد السندات الأمريكية المرتفعة، بعد تعديلها وفقاً للتضخم، من جاذبية كل شيء بدءاً من الذهب وصولاً إلى الأسهم.

وقال شانيل رامجي الرئيس المشارك لاستثمارات الأصول المتعددة في شركة بيكت: «كان النمو في الولايات المتحدة قوياً للغاية، وشهدنا استقراراً ملحوظاً في عوائد السندات الأمريكية الحقيقية. وقد شكل ذلك مفاجأة إلى حد ما – مرونة الاقتصاد الأمريكي مقارنةً بما كان يُعتقد قبل بضعة أشهر».

وكانت قيم الدولار الأسترالي والريال البرازيلي والكرونة النرويجية ارتفعت بنحو 10 % مقابل الدولار الأمريكي، منذ بداية العام الجاري وحتى نهاية مايو، إذ دفعت حرب الشرق الأوسط أسعار السلع الأساسية إلى الارتفاع، بينما كان المستثمرون لا يزالون يتوقعون على نطاق واسع، أن تؤدي تخفيضات أسعار الفائدة الأمريكية إلى إنعاش الاقتصاد الذي بدا متعثراً، لكن أسواق العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأمريكية، باتت تتوقع الآن زيادة في أسعار الفائدة بمقدار ربع أو ربعي نقطة مئوية من قبل الاحتياطي الفيدرالي بحلول نهاية هذا العام.

وبعد تقلبات حادة خلال الأسابيع الأولى من الحرب، ارتفع الدولار خلال الشهر الماضي، مع استمرار الصراع، وارتفاع التضخم في الولايات المتحدة إلى ما يزيد على 4 %.

وقد أثر انخفاض قيمة العملات سلباً في الإقبال على عمليات «المضاربة على فروق أسعار الفائدة» الممولة بالدولار، حيث يقترض المستثمرون بأسعار فائدة أمريكية منخفضة نسبياً، لشراء أصول دول ذات عوائد أعلى، مثل البرازيل، حيث تبلغ أسعار الفائدة الأساسية حالياً 14.25 %، لكن كما يشير لي هاردمان كبير خبراء العملات في بنك «إم يو إف جي»، فقد أدى ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية وقوة الدولار، إلى تراجع بعض عمليات المضاربة على فروق أسعار الفائدة الشائعة.

وأثرت إعادة هيكلة أسواق الأسهم العالمية في عملات الأسواق الناشئة بطرق مختلفة. فقد انخفض سعر الوون الكوري، وسط تقلبات حادة في سوق الأسهم الكورية الجنوبية المزدهرة، حيث جنى بعض المستثمرين أرباحاً من الارتفاع الكبير في أسهم شركتي سامسونج وإس كيه هاينكس لصناعة الرقائق الإلكترونية، ما أدى إلى تجاوز حدود مخاطر التركز التي يتحملها المستثمرون المؤسسيون.

وفي المقابل، عادت عملات الدول المستوردة للطاقة للارتفاع خلال الشهر الجاري، بعد أن كانت تضررت بشدة بسبب حرب إيران، والأمر يتعلق بصفة خاصة بالروبية الهندية والروبية الإندونيسية والبيزو الفلبيني. وجاء ذلك بعد أن رفعت البنوك المركزية أسعار الفائدة، أو في حالة الهند، عززت تدفقات رأس المال من خلال تسهيل الاقتراض الخارجي للبنوك.

وعلى الرغم من عمليات البيع الأخيرة، يشير مديرو الصناديق إلى ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية، والضبط المالي النسبي، والسياسة النقدية الأكثر مصداقية في الأسواق الناشئة، منذ أن تسببت الجولة الأخيرة من رفع أسعار الفائدة الأمريكية في حدوث أزمات بالعديد من الدول في عامي 2022 و2023.

وقال شانيل رامجي: «لا تزال هناك دوافع طويلة الأجل لتحسن الميزانيات العمومية في الأسواق الناشئة، مقارنة بالأسواق المتقدمة، خاصة الولايات المتحدة». وعلى المدى الطويل، ستتواصل السياسات النقدية التقليدية للبنوك المركزية، التي تم ترسيخها في العديد من الأسواق الناشئة.

ارتفع مؤشر جيه بي مورغان لسندات العملات المحلية في الأسواق الناشئة بنسبة 2 % هذا العام. وقد ساهمت تخفيضات أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي منذ عام 2024، وتراجع الدولار العام الماضي، في دعم الارتفاع الطويل في سندات وعملات الأسواق الناشئة، إلا أن العديد من الدول أبقت أسعار الفائدة مرتفعة نسبياً، ما جذب المستثمرين.

وقال كورت نولسون مدير محفظة ديون الأسواق الناشئة في شركة أفيفا إنفستورز: «ما يلفت انتباهي هو أن للمرة الأولى، لم تؤدِ صدمة نفطية كبيرة إلى موجة بيع واسعة النطاق في أسواق العملات الأجنبية الناشئة. وقد لعبت مصداقية السياسات دوراً كبيراً في ذلك. وعموماً، لم يعد هناك حل واحد مناسب للتعامل مع جميع الأسواق الناشئة».