خرج المواطن السبعيني عبد الله هاشم من منزله في قلب القاهرة متوجهاً نحو أقرب ماكينة صراف آلي، مدفوعاً برسالة نصية تؤكد إيداع معاشه بعد الزيادة السنوية الجديدة التي أقرتها الحكومة بنسبة 15%، ورغم أن رصيده ارتفع ورقياً، إلا أن القلق كان يساوره من خلو الماكينة من السيولة النقدية قبل وصوله إليها، خاصة وأنه شاهد طوابير المتقاعدين الذين غادروا بخيبة أمل بعد ظهور رسالة “عذراً لا يمكن تنفيذ العملية”، مما اضطره للتنقل بين عدة مناطق وصولاً إلى المقطم حتى نجح أخيراً في الحصول على أوراقه النقدية، معبراً عن فلسفته اليومية بقوله إنه لا يركض خلف المعاش بل يهرول خلف “الكاش”.
تحديات الدفع الإلكتروني في السوق المحلي
يمتلك هاشم وعياً تكنولوجياً بحكم عمله في قطاع السياحة بمدينة الغردقة، حيث يعتمد على الحجوزات الإلكترونية والتعاملات البنكية مع السياح الذين لا يحملون سوى بطاقة واحدة، ومع ذلك يجد نفسه مضطراً لحمل النقود الورقية في مصر بسبب مواقف سلبية متكررة، إذ يروي تجربته في محطات الوقود التي ترفض البطاقات أو تفرض رسوماً إضافية تصل إلى 2% من قيمة الفاتورة، وهو ما يراه عبئاً مالياً يدفعه لسحب أمواله بالكامل فور إيداعها، معتبراً أن غياب الرقابة على العيادات والمراكز الطبية والأندية التي تشترط السداد نقداً ينسف قناعته بجدوى الشمول المالي.
أعطال الماكينات وفقدان الثقة
لا تقتصر الأزمة على توفر النقد فحسب، بل تمتد إلى كفاءة الماكينات نفسها، حيث تشير شهادات مواطنين إلى وقائع حجز الأموال داخل الأجهزة دون خروجها للعميل، وهو ما حدث مع فتاة في مجمع سكني بمدينة 6 أكتوبر عندما سحبت الماكينة جزءاً من مبلغها وتوقفت عن العمل، لتواجه بعدها إجراءات بيروقراطية معقدة في البنك الأهلي تتطلب انتظاراً طويلاً للتحقيق، وتكرر هذا المشهد في مناطق مختلفة مما عزز مخاوف العملاء من تعطل الشبكات أو ضياع حقوقهم المالية في دوامة الشكاوى الفنية.
إحصائيات المعاشات والتحول الرقمي في مصر
يوضح الجدول التالي بعض الأرقام والبيانات المتعلقة بمستحقات المتقاعدين ومؤشرات الشمول المالي وفقاً للبيانات المتاحة:
شاهد ايضاً
| البيان | القيمة / النسبة |
|---|---|
| قيمة المعاش قبل الزيادة | 2900 جنيه مصري تقريباً. |
| قيمة المعاش بعد زيادة 15% | 3300 جنيه مصري تقريباً. |
| إجمالي عدد أصحاب المعاشات | 11.5 مليون مواطن. |
| إجمالي المبالغ المنصرفة شهرياً | 38 مليار جنيه مصري. |
| معدل الشمول المالي عام 2016 | 27.4%. |
| معدل الشمول المالي المتوقع 2025 | 77.6%. |
فلسفة المظاريف وتأمين الاحتياجات الأساسية
في الأقاليم، تتبع السيدة نرجس عبد الحكيم ذات الـ 76 عاماً نظاماً صارماً في إدارة معاش زوجها الراحل، حيث تحرص على سحب المبلغ فوراً وتقسيمه إلى مظاريف مخصصة للكهرباء والغاز والمياه والدواء، خوفاً من غرامات التأخير أو انقطاع الخدمات إذا لم تجد الكاش عند طرق المحصل لبابها، وتؤكد نرجس أنها لا تشعر بالأمان إلا عندما تلمس الأوراق النقدية بيدها، معتبرة أن تعطل التكنولوجيا أو غياب الشبكة قد يضعها في موقف محرج لا تريده في هذا العمر.
الفجوة بين البنية التحتية والسلوك الاستهلاكي
يرى المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن مصر نجحت تقنياً في بناء بنية تحتية قوية للتحول الرقمي، إلا أن السلوك الجماعي لم يتغير بالقدر الكافي، حيث تخرج مليارات الجنيهات من النظام المصرفي شهرياً لتتحول إلى سيولة ورقية بدلاً من بقائها داخل الدورة الاقتصادية، ويتضح ذلك من خلال النقاط التالية:
- وصول عدد المحافظ الإلكترونية إلى نحو 60 مليون محفظة.
- تجاوز عدد مستخدمي تطبيق “إنستاباي” حاجز 16 مليون مستخدم.
- توزيع أكثر من 1.35 مليون جهاز نقطة بيع إلكترونية في المحافظات.
- استمرار استخدام البطاقات كوسيلة لسحب النقد وليس كأداة للشراء المباشر.








