بقلم: مازن صاحب

تتجاوز الأزمة المزمنة التي يمر بها العراق حدود التعثر الحكومي أو إخفاق وزارة في إدارة ملف معين، فهي تمثل في جوهرها خللاً في البنية السياسية التي تعيد إنتاج الفشل بشكل دوري رغم تبدل الوجوه والأسماء، وفي ظل قواعد اللعبة التي تحكم ما يمكن وصفه بـ “دولة الفرهود” يواجه البلد اليوم تداعيات هذا الخلل البنيوي الذي جعل تعدد مراكز القرار وتوزع الولاءات أمراً واقعاً، حيث تتقدم المصالح الفئوية الضيقة على المصلحة الوطنية العليا، مما حول الأزمات من استثناء طارئ إلى قاعدة ثابتة تعيد إنتاج نفسها مهما تغيرت الشعارات المطروحة.

تساؤلات جوهرية حول سيادة الدولة

يقدم المشهد السياسي العراقي نماذج صارخة لهذا التناقض، لعل أبرزها ما ظهر في المؤتمر الصحفي الأخير الذي جمع القيادات العراقية والتركية حول مشروع تصدير مليون برميل نفط يومياً كإنجاز اقتصادي، بينما بقيت تساؤلات الكلف الاقتصادية والعوائد الفعلية معلقة دون إجابات واضحة، كما أثارت الأنباء المتداولة حول تحفظات بعض الأطراف السياسية على مشاريع استراتيجية مثل “طريق التنمية الدولي” ردود فعل متباينة تعكس غياب الرؤية الموحدة، فبين الصمت الرسمي والالتباس الإعلامي تضيع ملامح الحضور القوي للدولة في رسم مستقبلها الاقتصادي والسياسي.

تحديات القرار الأمني وغياب المرجعية الموحدة

في الملف الأمني تتكرر المفارقة بين شعار “حصر السلاح” والواقع الذي يؤكد أن العراق ما زال ساحة لتقاطع المصالح الدولية، حيث تعاني الدولة من عجز واضح في احتكار قرار الحرب والسلم، وهذا الانكشاف السيادي يتجلى في الضربات العسكرية التي تستهدف مواقع داخل الأراضي العراقية رداً على هجمات تنطلق منها، مما يضع السلطة في موقف محرج يكشف عن هشاشة البنية الدفاعية والسياسية، فالدولة التي تعجز عن حماية حدودها أو منع استخدام أراضيها كمنطلق للهجمات تجد نفسها مكبلة أمام ردود الفعل العسكرية الخارجية.

إن السلطة الهجينة التي تفتقر لاحتكار القوة والسياسة الخارجية تجد صعوبة بالغة في إدارة ثرواتها الوطنية، وهنا تظهر حقيقة أن الأزمة هي أزمة كيان دولة وليست مجرد أزمة إدارة، حيث تتقاسم الولاءات المتعددة موارد الوطن وتزاحم مراكز القرار، مما يؤدي في النهاية إلى ضياع الهوية الوطنية الجامعة لصالح تحالفات فئوية تبحث عن مكاسبها الخاصة.

المؤشر المالي والاقتصاديالتقديرات خلال عقدين
إجمالي الإيرادات النفطية التقريبيةأكثر من تريليون دولار.
الإنفاق على قطاع الطاقة والكهرباءمئات المليارات من الدولارات.
النتيجة الفعلية للخدماتعجز في الكهرباء وشح في المياه.

انحسار الطموح من التنمية إلى تأمين الرواتب

لقد تحولت العلاقة بين المواطن والدولة إلى معادلة ضيقة تختصر في صرف الرواتب الشهرية، حيث نجحت منظومة المحاصصة في تحويل الواجبات الحكومية الروتينية إلى إنجازات سياسية كبرى يتم الترويج لها، بينما تتضخم امتيازات الطبقة السياسية وتزداد الفوارق الطبقية بشكل مخيف، فبينما تتآكل الطبقة الوسطى ويزداد الفقراء معاناة، تظل الأسئلة حول مصير مئات المليارات من الدولارات التي أنفقت دون جدوى تلاحق الضمير الجمعي العراقي، خاصة مع تراجع جودة الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة.

صناعة الوهم في مواجهة الوعي الغائب

في ظل غياب البوصلة الوطنية، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منصة لتصدير التفاهة والاستعراض بدلاً من تعزيز الوعي والكفاءة، حيث يتم استبدال الإنجاز الحقيقي بصناعة الوهم والضجيج الإعلامي، كما يتم توظيف العناوين المقدسة في النزاعات السياسية لتحويل الخلافات إلى صراعات عقائدية تخدم أجندات معينة، وهذا الواقع يرسخ منظومة المحاصصة ويزيد من مساحة الشك بين المواطن والسلطة، فكلما ارتفعت نبرة الإصلاح والسيادة على الورق، زاد التراجع الفعلي على أرض الواقع في ظل بنية حكم هجينة تفتقد للاستقلالية والقرار الوطني الموحد.

القدرة على التعايش مع الفشل وتطبيعه

تكمن الخطورة الحقيقية في أن النظام السياسي في “دولة الفرهود” لم يعد ينتج الأزمات فحسب، بل أصبح قادراً على التعايش معها وتحويلها إلى وسيلة لإدامة السلطة، فالفشل لم يعد سبباً للمراجعة أو المحاسبة، بل تحول إلى جزء من توازنات المصالح بين المستفيدين، ومنذ عام 2003 ثبت أن تغيير الحكومات لم يقد إلى تغيير حقيقي في جوهر الدولة، حيث بقيت الآليات القديمة في تقاسم النفوذ والثروة هي المحرك الفعلي للعملية السياسية، مما يترك المواطن أمام سؤال وجودي حول إمكانية بناء دولة قانون ومؤسسات في ظل قرار وطني مشتت وسلاح خارج السيطرة.