صحوتُ فزعاً على وقع نبضات قلبي المتسارعة وأنفاسي التي تلاحق بعضها البعض، ظننتُ للحظة أنني أهوي من قمة شاهقة، لكن الحقيقة كانت أكثر مرارة، إذ تذكرت أننا في نهاية الشهر والراتب الحكومي لم يجد طريقه إلى المصارف بعد، تزدحم الالتزامات في رأسي كأنها قيود ثقيلة، من إيجار المنزل وفواتير المولد الكهربائي والإنترنت وصولاً إلى تكاليف الأدوية المزمنة والديون المتراكمة، وعندما تفقدتُ هاتفي لأتأكد من التاريخ بلهفة الخائف، وجدتُه الخامس والعشرين تماماً، لتبدأ رحلة الاستنزاف العصبي المعتادة.
معادلة العدالة المقلوبة وأزمة الرواتب
يبدو أن منطق العدل في بلادنا يسير باتجاه واحد فقط، فالمواطن يُطالب بدفع الغرامات فوراً إذا تأخر عن سداد التزاماته، بينما تتقاعس المؤسسات عن صرف المستحقات في موعدها دون أي رقيب أو حسيب، ولو طُبق المنطق السليم لفرضنا غرامات تأخير سيادية تُقتطع من ميزانيات النثريات لتُرد إلى المواطن المحاصر بالجوع والديون، لكن الواقع يؤكد أن القوانين والضوابط لا تُطبق إلا على الحلقة الأضعف في المجتمع.
الواقع الخدمي وسراب الوعود الحكومية
لم تكد تمر دقائق على استيقاظي حتى أعلنت الكهرباء الوطنية وفاتها المعتادة، فغاب الضوء مع بزوغ خيوط الصباح الأولى، وعندما توجهتُ نحو الثلاجة بحثاً عن رمق حياة، وجدتها خالية تماماً من الطعام، إذ غلبني الهم والتعب في الليلة السابقة وأنساني تسوق وجبة الإفطار، وأثناء تقليبي للأخبار العاجلة، صادفتُ خبراً يتحدث عن توزيع مليون قطعة أرض، مما دفعني للهمس بسخرية مريرة حول هذه الوعود المتكررة التي لا تعدو كونها سراباً يُباع للظمآن.
شاهد ايضاً
رحلة البحث عن الرغيف ومخاطر الطريق
قررتُ الخروج إلى الفرن لجلب بعض الصمون علّه يسد جوع الصباح، فواجهتُ في طريقي قطيعاً من الكلاب السائبة التي أيقظ نباحها ذكريات قديمة حول ملاحقات رجال الأمن في أزمنة غابرة، وبعد تجاوزها بصعوبة، وجدتُ نفسي أمام تحدي عبور الشارع الذي بات ممرًا للموت بسبب “التكاتك” المسرعة بتهور، وعندما عدتُ أخيراً وحاولتُ إيقاد النار لصنع الشاي، خذلتني قنينة الغاز وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، لتتركني أمام إفطار نصف ناضج ووطن يختصر حاله في قنينة فارغة.
الحلم السوريالي وصدمة اليقظة
وسط هذا السواد، لمعت شاشة الهاتف بإشعار من تطبيق المصرف، وللمرة الأولى لم تكن الأرقام تشر إلى الصفر، بل كانت هناك مبالغ طائلة تحت مسمى “تعويض أضرار الروح وبدل ضغط الدم الصباحي”، لقد خُيل لي أن السلطة قررت أخيراً الاعتراف بمعاناتنا وتعويضنا عن كل نباح كلب أو انقطاع غاز واجهناه، لكن صرخات جاري المدوية وهو يشتم الأعطال التي أصابت سيارته العجوز، أعادتني إلى الواقع المرير لأدرك أنني كنتُ في كابوس داخل كابوس.
أبرز التحديات اليومية للمواطن:
- تأخر صرف الرواتب الحكومية عن موعدها المحدد.
- تراكم الديون وفواتير المولدات والإنترنت.
- انقطاع التيار الكهربائي ونقص الخدمات الأساسية.
- انتشار الكلاب السائبة وغياب التنظيم المروري.
- الوعود الحكومية المتكررة بقطع الأراضي دون تنفيذ ملموس.







