تُمثل الدولة في جوهرها الحقيقي ملاذًا آمنًا يتجاوز مجرد امتلاك أدوات الحكم والسيطرة، فهي المظلة الجامعة التي يستظل بها المواطنون عند اشتداد الأزمات، والمرجعية القانونية والوجدانية التي يلوذون إليها لحماية حقوقهم وصون كرامتهم من الانتهاك أو الضياع، ومن البديهي أن يتطلع الفرد إلى مؤسساته الوطنية حين تضيق به سبل العيش، منتظرًا منها الإنصاف والرعاية وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة كحق أصيل وليس منّة أو هبة تجود بها السلطة، حيث تقع على عاتقها مسؤوليات أساسية لا يمكن التنازل عنها تحت أي مبرر.

المسؤوليات الأساسية للدولة المعاصرة

تتمحور الواجبات الجوهرية لأي نظام سياسي حول تأمين الخدمات الأساسية التي لا تستقيم حياة الناس بدونها، وفي مقدمتها إمدادات الكهرباء والمياه والنظافة العامة وتطوير قطاعي الصحة والتعليم، فضلاً عن حماية السكينة العامة وصرف مستحقات الموظفين والمتقاعدين بانتظام تام، إذ لا يمكن اختزال الرواتب في كونها مجرد أرقام نهاية الشهر، بل هي شريان الحياة الوحيد لآلاف الأسر الذي يوفر الغذاء والدواء والسكن، وبانقطاعها تتحول الأوضاع من مجرد خلل إداري إلى كارثة إنسانية واجتماعية شاملة تهدد الاستقرار المجتمعي في العمق.

الفوارق الطبقية وأزمة الضمير السياسي

تبرز المأساة الحقيقية حين تتحول الدولة نفسها من مصدر للأمان إلى سبب مباشر في المعاناة، لا سيما عندما يظن القائمون على السلطة أن دورهم ينحصر في تأمين معيشة الرفاهية للمقربين منهم في العواصم الخارجية والفنادق الوثيرة بالعملات الصعبة، بينما يُترك باقي الشعب يغرق في جحيم الأزمات العميقة التي حولت حياته إلى عذاب مستمر، إن هذا المسلك يعد خروجًا فاضحًا عن المبادئ الأخلاقية والقيم الراسخة التي يجب أن تقوم عليها الدولة باعتبارها مظلة للجميع دون استثناء أو محاباة.

واقع المعاناة في المحافظات الجنوبية

يواجه المواطن في الجنوب منذ سنوات تحديات متراكمة تبدأ من انهيار الخدمات الأساسية وتدهور الرعاية الصحية، مرورًا بانقطاع الكهرباء والمياه وصولاً إلى أزمة البطالة التي تفتك بجيل الشباب، في ظل واقع لم يعد يحتمل الصمت أو التبريرات الواهية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ومن غير المنطقي مطالبة المواطن بتحمل نتائج الفشل المستمر وكأنه المسؤول عنه، في الوقت الذي تحول فيه صرف الراتب من حق طبيعي إلى إنجاز تاريخي يستدعي المناشدات والاحتجاجات المتواصلة لاستعادته.

مؤشر الحالةالوضع الطبيعي المفترضالواقع الراهن في الجنوب
صرف الرواتبمنتظم في نهاية كل شهر.متأخر لأشهر مع مطالبات مستمرة.
الخدمات الأساسيةمستدامة (كهرباء، مياه، صحة).انهيار شبه كامل وتدهور مستمر.
القدرة الشرائيةمستقرة وتلبي احتياجات الأسرة.تآكل حاد بفعل انهيار العملة والغلاء.
الثروات الوطنيةتُستثمر لتحسين حياة المواطن.غياب الشفافية وشعور بالنهب المنظم.

نهب الثروات وغياب الشفافية والعدالة

تتصاعد التساؤلات المشروعة حول مصير الثروات والموارد السيادية التي يمتلكها الجنوب من موانئ استراتيجية ومواقع جغرافية متميزة وموارد نفطية هائلة، إذ لا يجد المواطن أثرًا ملموسًا لهذه الخيرات في تحسين جودة حياته اليومية أو دعم استقرار العملة التي فقدت قيمتها بشكل متسارع، بل يشهد فجوة شاسعة بين احتياجاته الضرورية وبين الهدر العبثي للموارد العامة التي تذهب عائداتها لغير أهلها، مما يعزز أزمة الثقة العميقة بين المجتمع والسلطة التي باتت بعيدة كل البعد عن هموم الناس.

تساؤلات مشروعة تبحث عن إجابات شفافة

أصبح لزامًا على السلطة تقديم إجابات واضحة وبعيدة عن التسويف للأسئلة التي تفرض نفسها بقوة على الشارع:

  • أين تذهب العوائد المالية للثروات والموارد الوطنية؟.
  • لماذا تتعطل الخدمات الأساسية بشكل متعمد أو نتيجة عجز مزمن؟.
  • ما هي الأسباب الحقيقية وراء تأخر صرف الرواتب وانهيار العملة؟.
  • من المسؤول عن تحميل المواطن وحده فاتورة الفشل السياسي والاقتصادي؟.
  • كيف يمكن تبرير تفاوت العيش بين المسؤولين وعامة الشعب؟.

إن الدولة تفقد وظيفتها وشرعيتها تدريجيًا عندما تتحول إلى عبء على كاهل المجتمع بدلاً من أن تكون درعًا لحمايته، والمواطن اليوم لا يبحث عن خطابات رنانة أو وعود فضفاضة بل يطالب بحقوق إنسانية تكفلها كافة الشرائع والقوانين الدولية، ولن تستقيم الأمور إلا بإعادة الاعتبار لكرامة الإنسان، وإدارة الموارد بشفافية ومسؤولية، وبناء مؤسسات حقيقية يكون ولاؤها للوطن والمواطن أولاً، بعيدًا عن مصالح المتنفذين ومراكز النفوذ التي استباحت مقدرات البلاد لعقود طويلة.