تسبّبت أزمة البحر الأحمر في تعقيد مشهد أسواق الطاقة العالمية، بالتزامن مع اضطرابات مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف النقل، وتأخر وصول الشحنات، وسط قفزة في أسعار النفط والغاز وضغوط متزايدة على الأسواق الأوروبية والآسيوية.

وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا يُنذر بأزمة اقتصادية كبيرة، خاصة مع انخفاض المخزونات إلى مستويات هي الأدنى منذ 22 عامًا.

وكشف عن أن تداعيات البحر الأحمر لم تحظَ بالاهتمام الكافي من المحللين والإعلام، رغم تأثيرها المباشر في حركة ناقلات النفط وإمدادات الطاقة، موضحًا أن التأمين الحربي أصبح عاملًا إضافيًا يعرقل حركة السفن في المنطقة.

وأشار إلى أن اضطراب البحر الأحمر تسبب في إطالة رحلة بعض شحنات النفط بنحو 30 يومًا، ما أدى إلى زيادة تكاليف النقل وتأخير الإمدادات، مؤكدًا أن هذه التطورات أسهمت في دفع الأسعار العالمية إلى مستويات مرتفعة.

جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج “أنسيّات الطاقة”، قدّمها الدكتور أنس الحجي على مساحات منصة “إكس” (تويتر سابقًا) تحت عنوان: “هرمز وأزمة الكبريت العالمية.. الصين تتحرك بصمت”.

ارتفاع أسعار الغاز يهدّد أوروبا بأزمة اقتصادية

حذّر أنس الحجي من أن أسعار الغاز في أوروبا ارتفعت بصورة كبيرة، موضحًا أنه إذا استمرت بالوتيرة نفسها التي شهدتها خلال الأسبوعَيْن الماضيَيْن، فقد تصل إلى أعلى مستوى لها في التاريخ، ما يفاقم الضغوط الاقتصادية.

وأوضح أن الاقتصاد الأوروبي سجّل خلال الربع الثاني نموًا قريبًا من الصفر، لكنه لم يدخل مرحلة الركود بسبب إنفاق الحكومات الأوروبية أموالًا ضخمة لمساعدة المواطنين في مواجهة الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة.

وكشف عن أن الاتحاد الأوروبي أنفق نحو 16 مليار دولار خلال الربع الثاني من العام الحالي فقط على الإعانات المرتبطة بأزمة الطاقة، مؤكدًا أن استمرار ارتفاع الغاز سيعني حاجة الحكومات إلى أموال إضافية لدعم المستهلكين.

وتساءل أنس الحجي عن مصادر تمويل تلك الإعانات، مؤكدًا أن الحكومات الأوروبية لا تستطيع الاستمرار في ضخ الأموال بصورة مفتوحة، وهو ما يجعل ارتفاع أسعار الغاز تحديًا اقتصاديًا وماليًا متزايدًا خلال المرحلة المقبلة.

وبيّن أن مخزونات الغاز الأوروبية أصبحت منخفضة إلى درجة غير مسبوقة، إذ وصلت إلى أدنى مستوى لها منذ 22 عامًا، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار بصورة شديدة، ما زاد صعوبة الموقف أمام الحكومات.

وأكد أن أزمة البحر الأحمر أضافت طبقة جديدة من التعقيدات إلى أزمة هرمز، مشيرًا إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بالهجمات أو المخاطر الأمنية، وإنما تمتد إلى التأمين الحربي وحركة الناقلات.

ولفت إلى أن هذه التطورات جعلت وصول الإمدادات إلى أوروبا وآسيا أكثر صعوبة، في وقت تواجه فيه الأسواق ارتفاعًا في الأسعار وانخفاضًا في المخزونات، الأمر الذي يرفع احتمالات استمرار الضغوط على المستهلكين.

ناقلات النفط تواجه تأخيرًا

شرح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أن ناقلة نفط عملاقة وصلت إلى المنطقة بهدف التحميل، في حين اتجهت ناقلة أخرى نحو سنغافورة عبر باب المندب، لكنها لم تتمكن من دخول الممر نتيجة تعقيدات التأمين الحربي.

وأضاف أن شركات التأمين في لندن أوقفت التأمين الحربي على كل ما يرتبط بالسعودية والسفن التابعة لها، معتبرًا أن هذا التطور يمثّل أحد الأسرار التي لم تحظَ بتفسير كافٍ في النقاشات المتعلقة بأزمة هرمز.

وتساءل عن سبب اتخاذ شركات التأمين هذا القرار في الوقت الحالي، رغم أن المنطقة شهدت خلال العقود الماضية حروبًا متعددة وتعرّضت سفن للضرب والغرق، دون أن يصل الأمر إلى إلغاء التغطية بهذه الصورة.

متمردون حوثيون أمام مضيق باب المندب – الصورة من “cgtn”

وأشار الدكتور أنس الحجي إلى أن ناقلة النفط اضطرت، بسبب تلك القيود، إلى نقل حمولتها إلى ناقلة أخرى في البحر الأحمر، لكن الناقلة الجديدة لم تُملأ بالكامل حتى تتمكّن من عبور قناة السويس دون مشكلات تتعلق بالغاطس.

وأوضح أن الناقلات العملاقة تستطيع حمل نحو 2.2 مليون برميل، لكن امتلاءها الكامل يجعلها أكثر انخفاضًا في المياه، ما يرفع الغاطس إلى حدود 22 مترًا، ويحد من قدرتها على المرور في قناة السويس.

كما استعرض الحجي مسار الناقلة، موضحًا أنها عبرت قناة السويس بحمولة جزئية، ثم اتجهت إلى ميناء سيدي كرير قرب الإسكندرية، حيث استكملت الكمية، قبل عبور البحر المتوسط والخروج من مضيق جبل طارق.

وبيّن أن الناقلة اتجهت بعد ذلك حول أفريقيا نحو سنغافورة، لتصبح الرحلة أطول بنحو 30 يومًا مقارنة بالمسار المباشر من ينبع إلى سنغافورة، فضلًا عن تكاليف الشحن الإضافية وسائر النفقات المرتبطة بالمسار البديل.

نقص الإمدادات كشف عن أسباب أخرى لارتفاع النفط

ربط أنس الحجي ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قاربت 100 دولار للبرميل بتأخر الشحنات، موضحًا أن إضافة نحو 30 يومًا إلى زمن الرحلة تعني تأخر الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل، وليس مجرد تأثير مباشر للتوترات السياسية.

وانتقد الحجي طريقة تناول الإعلام لتحركات الأسعار، موضحًا أن الوسائل نفسها ربطت الصعود أولًا بإيران وتراجع عدد السفن الخارجة من هرمز، ثم ربطته بضرب السفن الإيرانية، قبل أن تعزوه لاحقًا إلى زيادة واردات الصين.

وأكد أن اضطرابات البحر الأحمر جاءت ضمن سلسلة العوامل التي رفعت الأسعار، مشيرًا إلى أن الضربة التي نفّذها الحوثيون في جازان أسهمت في رفع الأسعار بنحو 2.5% خلال اليوم، ودفعها مجددًا باتجاه مستوى 100 دولار.

وكشف أنس الحجي أن هناك نقصًا واضحًا في المعلومات التي يقدّمها الإعلام حول تطورات سوق النفط، معتبرًا أن هذا النقص يمثّل تحيزًا مقصودًا، لا يقتصر على وسائل الإعلام وإنما يمتد، بحسب رأيه، إلى شركات استشارية كبرى.

وأوضح أن التركيز العالمي والإعلامي انصب بصورة كبيرة على جازان، رغم أن المنطقة الجنوبية الغربية من السعودية لا تُعد منطقة لإنتاج النفط أو تصديره، في حين جرى تجاهل تطورات أكثر تأثيرًا في مناطق أخرى.

وأشار الحجي إلى أن أسبوعًا واحدًا شهد خسارة نحو 3 ملايين برميل يوميًا من إنتاج روسيا وقازاخستان بعد الضربات التي طالت منشآت في المنطقة، مؤكدًا أن هذا التطور لم يحصل على الاهتمام الإعلامي نفسه.

ولفت إلى أن صادرات المكسيك وإنتاجها تراجعا بصورة كبيرة خلال الفترة نفسها، كما انخفضت صادرات البرازيل، في حين تراجعت صادرات البحر الأحمر المرتبطة بالمسارات البديلة، وهو ما ساعد على تقليص المعروض المتاح في الأسواق.

وأكد الحجي أن صادرات سلطنة عمان من النفط تراجعت كذلك خلال تلك الفترة رغم عدم انخفاض الإنتاج، موضحًا أن انخفاض الصادرات يعني تراجع المعروض في الأسواق، وهو عامل إضافي يجب احتسابه عند تفسير ارتفاع أسعار النفط.

نرشّح لكم..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.