في 15 أيار/ مايو 2026، تلقى مشاهدو برنامج «الحكاية» على قناة MBC مصر، حكايةً مختصرةً عن سائق من بورسعيد. الرجل، بحسب الراوي، حصل من إحدى شركات التمويل الاستهلاكي على قرض بقيمة  400 ألف جنيه. لم يفحص دخله ولم يجرِ له استعلام ائتماني ثم عجز عن السداد، فاضطر إلى بيع سيارته — مصدر رزقه الوحيد. راوي القصة لم يكن شخصاً عادياً، هو هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، أكبر بنك خاص في مصر.

في الأسبوع نفسه، كانت شركة «ثاندر» — تطبيق الاستثمار الرقمي الأشهر في مصر — تحتفل بأنها أول شركة مصرية تتصدر تصنيف «فاينانشال تايمز» لأسرع الشركات نموًا في القارة الأفريقية لعام 2026، متقدمةً على شركات من جنوب أفريقيا وكينيا ونيجيريا، استنادًا إلى 3 معايير شملت معدل النمو السنوي المركب من 2021 إلى 2024. تجاوزت تحميلات التطبيق الخمسة ملايين ونصف المليون، أكثر من ثلاثة أرباعهم يستثمرون للمرة الأولى، وأربعون في المئة منهم يقطنون خارج القاهرة والإسكندرية.

لكن المفارقة لم تكن في توقيت الخبرين، بل في الكلمة التي ربطت بينهما، حين ذكر عز العرب «ثاندر» بالاسم في مداخلته. لم يقل إنها تنصب على عملائها — على العكس، وصفها بأنها «تجربة ممتازة» — لكنه وضعها أمام جمهور غير متخصص في سياقٍ واحد مع شركة تمويل استهلاكي أقرضت سائقًا قرضًا تجاوز قدرته. الاسمان معًا، في حلقة تلفزيونية واحدة، أديا إلى أن يُطرح السؤال علنًا في الأيام التالية: هل يدافع رئيس أكبر بنك عن تطبيق مشبوه؟ 

لفهم ما حدث، لا بد من العودة إلى لحظة اقتصادية سابقة على الجدل بأشهر.

طوال عقود، كان المواطن المصري يأخذ مدخراته إلى أقرب بنك ويشتري شهادة ادخار. الأمر بسيط: تُعطي البنك مبلغًا، يُعطيك فائدةً ثابتة كل شهر، وتسترد رأس مالك في الموعد. هذه الثقة البسيطة، الموروثة، هي التي بنت علاقة الطبقة الوسطى المصرية بالبنك على مدى أجيال. الشهادة ذات الأرقام الزرقاء كانت تعويذةً ضد التضخم وأرق المستقبل.

ثم جاء عام 2025 بما لم يكن في الحسبان، إذ قرر البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة خمس مرات متتالية خلال العام، بما يعادل 7.25 بالمئة دفعة واحدة، بمنطق أن تخفيض الفائدة سيشجع الاستثمار والاستهلاك. وانحدرت الشهادات التي كانت تعطي فوائد بلغت نسبتها 22 في المئة نحو أرقام أقل جاذبية، قد لا تعادل التضخم فعلاً، لذا بدا تطبيق مثل “ثاندر” جذاباً كبديل للاستثمار.أُسس التطبيق عام 2020، وكان أول جهة تحصل على رخصة وساطة مالية جديدة في مصر منذ عام 2008، أي منذ أزمة الرهن العقاري الأميركية . هدف الشركة المُعلن منذ البداية كان دمقرطة الاستثمار: جعل البورصة وصناديق الاستثمار في متناول أي شخص يمتلك هاتفًا ذكيًا، بلا وساطة بيروقراطية ولا رسوم مبالغ فيها.

اليوم، تستحوذ المنصة على نحو 18 بالمئة من قيمة تداولات الأسهم في البورصة المصرية، وتُنفذ أكثر من 200 ألف عملية تداول يوميًا — مقارنةً بخمسين ألفًا قبل عام واحد.

غير أن ما يهم في هذه الأرقام ليس النمو في حد ذاته، بل من يقفون خلفه: ثلاثة أرباع المستخدمين يستثمرون للمرة الأولى، أربعون بالمئة منهم خارج المدن الكبرى، متوسط أعمارهم نحو ثلاثين عامًا، أي أن البوابة التي كانت مقفلة في وجه شريحة واسعة من المصريين — لأنها تتطلب فروعًا وأوراقًا ومحفظة لا تقل عن مبلغ معين — انفتحت فجأة بكبسة زر.

السؤال الذي طرحه عز العرب لم يكن إن كان هذا الانفتاح جيدًا أو سيئًا. سؤاله كان أدق: هل من فُتحت أمامه البوابة يعرف فعلًا ما الذي ينتظره على الجانب الآخر؟

من يحمي «المشتري الغافل»؟

في النص الكامل لما قاله عز العرب، ثمة جملةٌ تستحق التوقف عندها قبل غيرها: «ثاندر تجربة ممتازة، لكنّ من حقّ المشتري أن يعرف بالضبط ما الذي يشتريه». 

جملة تختصِر مبدأً قانونيًا وأخلاقيًا أساسيًا في عالم المال. في كل الأسواق المنظَّمة، تُلزَم الجهات التي تبيع منتجات مالية للأفراد بإجراءَين قبل أي عملية بيع. الأول يُعرف بـ«اختبار الملاءمة»: سلسلة أسئلة عن دخل العميل وخبرته وقدرته على تحمّل الخسارة، بهدف التأكد من أن المنتج المعروض يناسب وضعه. والثاني هو الإفصاح الكامل عن المخاطر: لا يكتفي البائع بذكر العائد المحتمل، بل عليه أن يشرح بوضوح ما الذي يخسره العميل إذا ساءت الأمور. هذان الإجراءان هما حجر الزاوية في حماية المستثمر الفرد في كل سوق ناضج.

البنوك في مصر تخضع لهذين الإلزامَين، تحت رقابة البنك المركزي. الموظف الذي يعرض شهادةً مركبة أو وثيقة صندوق على العميل ملزم  قانونًا بهما. وقبل القرض، يلجأ البنك إلى نظام «آي سكور» للاستعلام الائتماني، حيث تُجمع سجلات الديون والتزامات كل مواطن تجاه كل البنوك، فيتحقق المُقرِض من أن العميل غير مثقَل بالتزامات أخرى لا يستطيع معها سداد القرض الجديد.

ما يقوله عز العرب هو أن هذه الطبقة من الحماية لا تنطبق بالصرامة نفسها على شركات التمويل غير المصرفي والمنصات الرقمية، على الرغم من أنها ليست غائبة كليًا — فهيئة الرقابة المالية تُشرف على هذه الشركات وتُلزمها بإجراءات معينة — لكن البيئة التنظيمية «أخف»، كما أوضح في مداخلته، والنتيجة عند المستخدم النهائي: قروضٌ ومنتجاتٌ استثمارية تَصل بسرعة، بسلاسة، وبواجهةٍ تُلغي كلّ ما يَدعو الى التوقف والتفكير، أو ما يعطله، وما يعطله أحياناً هو ما يحمي العميل نفسه.

لكن خطاب عز العرب لم يتوقف عند مسألة الإفصاح. كان يشير إلى ميكانيزم أعمق وأخطر في بنية السوق نفسها، ميكانيزم لم يحضر بوضوح في معظم تغطيات الجدل الإعلامي، لكنه يحتلّ قلب المشكلة.

شركات التمويل الاستهلاكي في مصر لا يُسمح لها قانونًا بتلقي ودائع من الجمهور مباشرة. وهي تعتمد على مصدرَين رئيسيَين للسيولة: رأس مالها الخاص، والاقتراض من البنوك التقليدية. هذا الأخير هو الأهم. أي أن البنك — الذي تتراكم فيه ودائع المواطنين البسطاء — يُقرض شركةَ تمويل استهلاكي، التي بدورها تُعيد إقراض الأفراد بأسعار فائدة أعلى. سلسلةٌ في ظاهرها طبيعية: البنوك تموّل وسطاء ماليين في كل اقتصادات العالم.

المشكلة تَظهر حين لا يَلتزم الطرف الوسيط — شركة التمويل الاستهلاكي — بمعايير الاستعلام الائتماني نفسها، التي تَلتزم بها البنوك الممولة له. فإذا امتنع الأفراد عن سداد قروضهم، تَتعثر الشركة، ولأنها هي نفسها مدينة للبنك، يَتسلّل التعثر إلى الميزانية المصرفية الرسمية. سلسلةٌ من ثلاث حلقات، ضَعف أي واحدةٍ منها يُمرر إلى التي تَليها.

تضع الأرقام هذا الخطر في حجمه الحقيقي. إذ نما نشاط التمويل الاستهلاكي وحده بنسبة 57 بالمئة بنهاية 2025 ليصل إلى 96 مليار جنيه، هذه ليست شريحة هامشية من السوق، بل ركيزةٌ متنامية تعتمد على التمويل المصرفي لتغذية نموها.

وحين قرر البنك المركزي في نيسان/ أبريل 2026 — أي قبل أسابيع قليلة من تحذيرات عز العرب — توجيه البنوك بعدم تمويل محافظ شركات التمويل الاستهلاكي إلا بعد التأكد من إجرائها استعلامًا ائتمانيًا عن عملائها، تَصَرّف بذلك لأنه رأى أن هذه القناة باتت مصدر مخاطرة مزدوجة. البنوك بدورها ترجمت هذا التوجيه إلى تعليق فعلي للتمويل عن الشركات غير الملتزمة. ويكشف القرار ضمنيًا أن الحلقة التي يحذر منها عز العرب لم تكن مجرد تنبؤ نظري، بل واقعة قائمة تستوجب التدخل. 

هذا هو سيناريو «الشرارة» الذي يخيف عز العرب. ليس خوفًا من تطبيق يبيع صناديق استثمار، بل من منظومة ائتمانية تَضُخّ أموالًا للأفراد عبر جهات وسيطة لا تتحقق بما يكفي من قدرة هؤلاء الأفراد على الوفاء بالتزاماتهم. وحين قال للجمهور التلفزيوني إن «الشرارة الصغيرة ممكن تعمل شرارة أكبر، ولو واحد وقع ممكن تعمل تأثير في الاقتصاد كله ويجر الباقي معاه»، لم يكن يتحدث عن انهيار شركة منفردة، بل عن نموذج عدوى ينتقل من حلقة إلى أخرى.

«التسييل»… حين يتحول حدك الائتماني إلى فخ نقدي قاتل

ثمة طبقةٌ أخرى من المخاطر، أعمق وأقل ظهورًا في النقاش العام، رَصدها تحقيقٌ نَشره موقع «صحيح مصر» في آب/ أغسطس 2025، يَعرفه السوق باسم «التسييل». الأرصدة الائتمانية التي تَمنحها تطبيقاتٌ مثل «ڤاليو» و«سهولة» للأفراد، مُصمَمةٌ في الأصل لشراء سلع — هاتف، تلفزيون، أجهزة منزلية — لا لتسديد فواتير مستشفى ولا مصاريف مدرسة. لكنّ المستخدمين الذين يَحتاجون نقدًا فوريًا، لا سلعةً، وَجدوا مَخرجًا: مكاتب ووسطاء، غالبيتهم في القاهرة الكبرى والإسكندرية، يَتعاقدون مع تجار إلكترونيات على عمليات شراءٍ وهميةٍ بقيمة الحد الائتماني للعميل، يَأخذون السلعة، ويُعطونه قيمتها نقدًا، بعد حسم عمولةٍ تَتراوح بين 15 و25 بالمئة. النتيجة أن العميل يخرج بثلاثة أرباع المبلغ تقريبًا في يده، لكنه يَبقى مدينًا بالقيمة الكاملة لشركة التمويل، إضافةً إلى فوائدها التي تَتراوح بين 15 و30 بالمئة. كُلفةٌ إجمالية قد تَتجاوز 50 بالمئة على المبلغ الذي تَسلمه فعليًا.

ازدهر هذا السوق في الظل تَدريجيًا منذ 2022، وانفجر في 2024 مع ذروة الأزمة الاقتصادية. وأَصدرت هيئة الرقابة المالية تنويهًا رسميًا يُجرّم النشاط، إلا أن الإعلانات لم تَتوقّف، ولا تَزال صفحات «فيسبوك» تَستقبل طلبات «تسييل» يوميًا. ما يَجعل هذه الظاهرة وثيقة الصلة بمخاوف عز العرب هو أن الرقم الذي تُعلنه شركات التمويل الاستهلاكي عن وجهة قروضها — «شراء سلع استهلاكية» — لم يَعد دقيقًا في كل الحالات. جزءٌ غير معلوم من هذه القروض يَتحول، فور إتمامه، إلى نقدٍ يُستخدم لسداد ديونٍ أخرى، أو لتغطية احتياجات معيشية يَستحيل سدادها لاحقًا من راتبٍ شهري لا يَكفي أصحابه. أي أن الحلقة التي وَصفها عز العرب — «شركةٌ تَأخذ من البنك وتُعيد إقراض الأفراد من دون فحصٍ كافٍ» — تَنتهي بإقراضٍ لم يَصل أصلًا إلى ما خُصِّص له. فيَعجز المقترض عن السداد وتَتعثر الشركة، ثم تضاف المخاطرة إلى ميزانية البنك. 

إقرأوا أيضاً:

لتوضيح هذا الخطر، استدعى عز العرب الذكرى الأبرز في المخيلة المالية المعاصرة: أزمة الرهن العقاري الأميركية عام 2008، أو ما عُرف بأزمة “الساب برايم”. 

الحكاية في خطوطها العريضة كانت كما يلي: بنوك ومؤسسات تمويل عقاري أميركية بدأت تمنح قروضًا لشراء المنازل لأشخاص لا يكفي دخلهم الحقيقي للسداد. المنطق الذي كان سائداً آنذاك — وهو منطقٌ هذياني بكل ما تحمله الكلمة من معنى — كان ارتفاع  أسعار العقارات دائمًا. إذاً، حتى لو عجز المقترض، يمكن بيع المنزل بسعرٍ أعلى. ثم حُوِّلت هذه القروض إلى أوراق مالية مركبة بِيعت في الأسواق العالمية. انتشر الخطر الكامن — في محافظ أفراد عاجزين عن السداد — في أسواق المال العالمية كلها، من فرانكفورت إلى طوكيو إلى دبي. حين انخفضت أسعار العقارات وتعذر السداد، لم يَنهَر فقط مَن أقرض مباشرة، بل أيضاً كل من اشترى تلك الأوراق، أو أقرض من اشتراها، فلم يعرف السقوط المتسلسل حدودًا.

الدرس الذي يستخلصه عز العرب من هذه القصة دقيق: الخطر لم يكن في «قرض واحد سيئ»، بل في منظومة كاملة بَنَت عليها مؤسسات كثيرة نشاطها، وحين سقطت الأولى، جَرّت كل ما هو مرتبط بها. إقراض من لا يستطيع السداد، وتكرار هذا على نطاق واسع، مع غياب الشفافية حول حجم المخاطر الفعلية، هو وصفةٌ لأزمةٍ لا يعرف أحد متى تنفجر.

ثمة تفصيلٌ صغير في هذا التشبيه يستحق التأمل. بنك الاستثمار «ليمان براذرز»، الذي شكل سقوطه في أيلول/ سبتمبر 2008 اللحظة الرمزية للأزمة، لم يكن يبيع قروضًا فاسدة لمستهلكين أميركيين. كان وسيطًا وكانت قنواته مع تلك القروض غير مباشرة، بل عبر منتجات مالية مركبة جعلت من الصعب على أي طرف أن يحدد أين بالضبط يكمن الخطر في ميزانيته. هذا ما يجعل الفجوات المعلوماتية بين القنوات المالية مصدر قلق بنيوياً، حتى حين تبدو الأرقام الإجمالية مطمئنة.

60 ضعفًا من البنوك… هل تستطيع الرقابة ملاحقة «بنوك الظل» و«ثاندر»؟

لفهم الفجوة الرقابية التي يشير إليها عز العرب بشكل ملموس، يكفي رقمان متجاوران.

البنك المركزي المصري يُشرف على 36 بنكًا. الهيئة العامة للرقابة المالية مُطالَبَة بمتابعة 2532 شركة وجهة تعمل في التمويل غير المصرفي — أي ما يعادل 60 ضعفًا من عدد البنوك — تخدم أكثر من أربعة وستين مليون عميل، بتمويلات إجمالية تصل إلى تريليون وأربعمئة مليار جنيه بنهاية عام 2025، أي أن أكثر من نصف ما يُقرض في مصر يَمرّ خارج البنوك.

في وصفٍ مكثّف لهذا الواقع، قال الخبير الاقتصادي محمد فؤاد لموقع «مباشر» إن التحدي ليس في وجود أزمة فعلية، بل في «النظرة المستقبلية للرقابة على هذا العدد الكبير من الشركات». 

ولأن هذه الفجوة لم تَعد قابلة للتجاهل، أصدرت هيئة الرقابة المالية في 2026 سلسلة قرارات تشريعية لافتة، أبرزها القرار رقم 43 لسنة 2026، الذي أوقف قبول طلبات تأسيس شركات تمويل استهلاكي جديدة — وهو إجراء استثنائي يَدل على القلق من الاكتظاظ في هذا القطاع تحديدًا. أعقبه القرار رقم 44 لضبط قواعد فتح ونقل وغلق فروع شركات التمويل، والقرار رقم 45 لضوابط الترخيص للوظائف الرئيسية داخل هذه الشركات. الإيقاع التشريعي يَكشف بدوره أن المنظّم يرى — مثل عز العرب — أن السوق يَسير أسرع من الإطار الذي يَنبغي أن يَحكمه.

نقطة أخرى نادرًا ما تُذكر: حتى نسبة التعثر المُعلَنة في القطاع — التي لا تتجاوز 3 بالمئة، الرقم الذي يستشهد به المدافعون عن الوضع الراهن — لا تَعكس بالضرورة الصورة الكاملة. رئيس «ميد بنك» أشرف القاضي قال صراحةً إن هذه النسبة «لا تتضمن الديون المعدومة التي قد تكون أعلى بكثير». الفرق بين «المتعثر» و«المعدوم» تقني، لكنه يَحوي أحيانًا الفارق بين سوقٍ سليمة وأخرى تَتراكم فيها المخاطر في الظل.

أين يقع «ثاندر» من هذا كله؟

الإجابة الدقيقة تتطلب تمييزًا حاسمًا، وهو التمييز نفسه الذي أصر عليه أحمد حمودة، الشريك المؤسس لثاندر، حين ردّ على عز العرب في الحلقة التالية من البرنامج نفسه: «ثاندر» ليست شركة تمويل استهلاكي. لا تَمنح أحدًا قرضًا. لا تُعطي المستخدم مالًا ليشتري ثلاجة أو يَسدد مصروفًا مدرسيًا. هي وسيط استثماري — جهة تَربط المستخدم بالبورصة المصرية وصناديق الاستثمار المرخصة بضغطة زر.

تحمل الشركة تراخيص من الهيئة العامة للرقابة المالية للسمسرة وحفظ الأموال وإدارة الأصول وإدارة المحافظ المالية، بالإضافة إلى ترخيص من سلطة تنظيم الخدمات المالية في سوق أبو ظبي العالمي. ووثائق صناديق الاستثمار التي يَعرضها التطبيق هي وثائق صادرة عن شركات إدارة أصول مرخصة ومراقَبة، بلغ حجمها في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 ثمانية مليارات جنيه، يَستثمر فيها أكثر من 431 ألف مصري. لا يوجد في كل هذا ما يُشبه نموذج شركة التمويل الاستهلاكي التي تَتلقى أموالًا من البنوك وتُعيد إقراضها لأشخاص بلا فحص.

لماذا إذاً جاء اسم «ثاندر» في خطاب عز العرب؟ هنا تقع الإجابة الأهم في كل القصة.

ما يقوله عز العرب لا يَتعلق بالنشاط القانوني للمنصة، بل بمبدأ أوسع: حين يَستطيع شخصٌ في القاهرة أو أسيوط أن يَستيقظ صباحًا ويَشتري في غضون دقائق وثيقةً في صندوق أسهم متقلب، من دون أن يُسأل شيئًا جديًا عن خبرته أو قدرته على تحمّل الخسارة، هل يَكفي ذلك؟

التطبيق يُسوّق نفسه بعبارات تستدعي الانتباه: «شغل فلوسك بدوسة زرار»، «ابدأ بأي مبلغ»، «فتح حساب في نفس اليوم، من غير زيارة فرع». واجهة المنصة مُصممة بوعي تام لإزالة كل احتكاك، وهذا — بحد ذاته — ليس عيبًا، بل هو ما جعلها تَصل إلى ملايين المصريين الذين كانوا محرومين من الاستثمار. لكن ما يَنبغي أن يُوازي السلاسة هو الإفصاح، وهنا تَظهر الفجوة.

تحذير المخاطر موجود على موقع «ثاندر». هذا صحيح. لكنه نَص قانوني بالإنكليزية، مَدفون أسفل الصفحة، يَقول إن «التداول في المنتجات المالية يَنطوي على مخاطر جسيمة قد لا تَلائم جميع المستثمرين»، وإن «قيمة الاستثمارات قد ترتفع كما قد تنخفض، وقد تَسترد أقل مما استثمرت». كلامٌ في غاية الأهمية القانونية، لكنه لا يُقرأ. ومن المُستبعد جدًا أن يَلتفت إليه شابٌ في الثلاثين، في طنطا أو سوهاج، يَفتح تطبيقًا عربيَ الواجهة، ويَجد أمامه عبارة «شغل فلوسك بدوسة زرار».

والأداة التي يَعرضها التطبيق لمساعدة المستخدم الجديد على تحديد ما يُلائمه — المسماة «Alpha» — تَسأل المستثمر ثلاثة أسئلة سريعة، ثم تَقترح عليه «خطة استثمار تَناسب أهدافه ونسبة المخاطرة». هذا في الأسواق الناضجة لا يُعد اختبار ملاءمة، بل أقرب إلى اختبار شخصية في مجلة. اختبار الملاءمة الحقيقي، كما تَعرفه القاعدة التنظيمية الأوروبية مثلًا، يَقيس الدخل والمدخرات والديون والخبرة السابقة في التداول، ويَستغرق ربع ساعة على الأقل، ولغايةٍ واحدة: التأكد من أن العميل يَعرف بدقة ما الذي يَدخل فيه قبل أن يَضع فيه ماله.

ثم تَأتي المشكلة الأعمق، وهي ثقافية لا تنظيمية: كثر من هؤلاء المستخدمين، حين يَرَون صندوقًا يَعرض «عائدًا متوقعًا» قدره 20 بالمئة، يَتعاملون معه كما تَعاملوا مع شهادات الادخار طوال حياتهم. أي بصفته «وديعةً تُعطي فائدة». هذا الفهم — الموروث من علاقة طويلة بالبنوك — هو على وجه الدقة ما يُريد عز العرب أن يُنبه إليه. صندوق الاستثمار في الأسهم ليس وديعةً بنكية: لا ضمان لرأس المال، لا فائدة ثابتة، والخسارة واردة وقد تكون فادحة في سنوات سيئة. هذه المعلومات معروفة لأي مستثمر محترف، لكنها بالضبط ما يَجهله من يَدخل السوق للمرة الأولى بضغطة زر.

ثمة سياق أوسع يَضع هذا الجدل كلّه في إطاره الحقيقي، ولا يَستقيم النقاش من دونه.معدل الادخار في مصر انهار من 14.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022/2023 إلى 1.2 بالمئة في 2024/2025، تَراجعٌ بنسبة تَتجاوز التسعين بالمئة خلال سنتين. وقد نسبت وزارة التخطيط القومي ذلك إلى «ضعف الفوائض الإنتاجية وارتفاع معدلات التضخم وتآكل الدخول الحقيقية للأسر».

ما يَقوله هذا الرقم في الحقيقة هو أن المصري لم يَعد يُوفّر. كل ما يَكسبه يَذهب لتغطية احتياجات ترتفع أسعارها باستمرار. ومن لا يُوفّر، يَستدين. ومن يَستدين، تتَلهّف نفسه إلى عائدٍ سريع يُغطي ديونه. وهنا تَدخل الصورة: منصاتٌ تَعرض عائدًا أعلى مما تَعرضه شهادة البنك، وقروضٌ سهلة، ومضاربة في الأسهم. تَدخل، باختصار، كل الأدوات التي يُقال للمستخدم إنها «بدائل» للبنك التقليدي.

في هذا الإطار، تكتسب خاصية الاستعلام الائتماني التي يُلحّ عليها عز العرب وزنًا مزدوجًا. الخبير الاقتصادي محمد فؤاد لخص الواقع بقوله: «يلجأ المواطن الى هذه القروض لتلبية احتياجات أساسية مثل الأجهزة المنزلية والكسوة المدرسية، وتدفع الضغوط المعيشية الأفراد الى اتخاذ قرارات مالية سريعة من دون حساب التكلفة الحقيقية». هؤلاء ليسوا مضاربين متهورين، بل أُسرٌ تحاول البقاء.

الاحتمال المخيف هنا: أن يَجد المواطن نفسه واقعًا بين خيارين أسوأ من بعضهما. شركة تمويل استهلاكي أقرضته من دون فحصٍ كافٍ ليَشتري سلعةً يَحتاجها، فاضطر إلى بيع سيارته لسداد القرض، كما حدث للسائق في بورسعيد. ومنصةٌ رقمية أَدخلته السوق المالية بسلاسة فائقة، فبدد فيها ما تبقى من مدخراته، ظنًا منه أن «الصندوق» هو نوعٌ آخر من «الشهادة».

الجدل الذي أَشعله عز العرب يَفتح في نهايته سؤالًا لا يُجيب عنه طرفٌ واحد.المنصات الرقمية كـ«ثاندر» تقول، عن حقّ: نحن نَعمل ضمن إطارٍ تنظيمي مرخّص، تُشرف علينا هيئةٌ رقابية، ومنتجاتنا — صناديق الاستثمار، الأسهم، الذهب — هي منتجاتٌ مرخّصة بدورها. نحن فَتحنا الباب أمام ملايين المصريين للاستثمار للمرة الأولى في حياتهم، وعدد كبير منهم نَجح فعلًا في بناء عوائد لم يكن ليَحلم بها لولا التطبيق.

المصرفيون التقليديون يَقولون، عن حق أيضًا: البنوك تَلتزم بمعايير حماية العميل وتُحاسَب عليها: اختبار الملاءمة، الإفصاح بالعربية، التوثيق الورقي، الاستعلام الائتماني. فلماذا تَحمل القناة الرقمية معايير أخف على البيع نفسه، لمنتجات قد تكون أكثر مخاطرةً من شهادة البنك التقليدية؟

إقرأوا أيضاً: