لم تعد أزمة الرواتب في العراق مجرد تأخير تقني لأيام معدودة كما تبرره وزارة المالية في كل مناسبة، بل تحولت إلى أزمة إدارة وثقة عميقة تكشف عجز الدولة عن الوفاء بأبسط التزاماتها تجاه مواطنيها، وفي خضم هذا التخبط المالي تتسرب من كواليس صنع القرار مقترحات متناقضة تضع مصير ملايين العوائل العراقية على طاولة التجريب المحفوف بالمخاطر.

السيناريوهات الجدلية وتأثيرها على الدخل

إن أخطر ما تم تداوله مؤخراً هو مقترح توزيع رواتب موظفي الدولة كل 40 يوماً بدلاً من الجدول الشهري المعتاد، وبالرغم من نفي وزارة المالية لهذه الأنباء ووصفها بأنها “مجرد إشاعات” ناتجة عن إجراءات نهاية السنة المالية، إلا أن طرح مثل هذه الأفكار في الأروقة الحكومية يعكس عمق الأزمة، إذ يعني هذا التوجه عملياً استلام الموظف 9 رواتب فقط في السنة الواحدة، وهو ما يمثل تخفيضاً مقنعاً للدخل السنوي بنسبة تصل إلى 25% دون إعلان رسمي، مما يحمل المواطن كلفة فشل السياسات المالية وتذبذب أسعار النفط، خاصة مع تزايد القلق لدى أكثر من 8 ملايين موظف ومتقاعد يعانون من عدم استقرار مواعيد الصرف التي انتقلت من العشرينيات إلى مطلع الشهر اللاحق.

مقترحات بيع الأصول ومخاطر الخصخصة السياسية

تبرز في أفق الحلول “السريعة” وصفات اقتصادية وصفتها تقارير صحفية بأنها “انتحارية” ومنها خيار بيع أصول الدولة السيادية، وتتضمن هذه الخطط طرح نحو 1000 قصر ومنشأة من ممتلكات النظام السابق للبيع في الأسواق لتوفير سيولة فورية، غير أن الخبراء يحذرون من أن هذه الخطوة ستؤدي إلى سد عجز شهور قليلة مقابل التفريط بأصول دائمية، والأخطر من ذلك هو احتمالية انتقال ملكية هذه الأصول إلى الجهات السياسية المتنفذة بأسعار بخسة عبر واجهات استثمارية، مما يحول العملية من إصلاح اقتصادي إلى مجرد نقل ملكية عامة لصالح الأحزاب، وهو ما يعزز الانتقادات الموجهة للإدارة الحكومية الحالية واتهامها بالضياع بين ملفي السلاح والمال.

الحل المقترحالأثر المتوقعالنتيجة الاقتصادية
صرف الرواتب كل 40 يوماًتقليص عدد الرواتب السنويةتخفيض غير رسمي للدخل بنسبة 25%
بيع القصور والأصول العامةتوفير سيولة مؤقتة وسريعةفقدان موارد الدولة لصالح جهات حزبية
طبع العملة المحليةتغطية الرواتب ورقياًتضخم جامح وانهيار قيمة الدينار

التناقضات الحكومية وفجوة التقشف

يظهر التناقض الصارخ في الخطاب الحكومي عند المقارنة بين دعوات التقشف الموجهة للمواطنين وبين السلوك الإنفاقي للمؤسسات، ففي الوقت الذي يُطلب فيه من المعلم والجندي تحمل تأخير الرواتب، ترصد التقارير استمرار الإيفادات الحكومية والبرلمانية المكثفة وتخصيص ميزانيات مليارية لتجديد قاعات مجلس النواب، إن سياسة “شد الحزام” لا يمكن أن تكون انتقائية، إذ لا يستقيم الحديث عن تقشف صارم في ظل بقاء مخصصات المستشارين والامتيازات الخاصة للمسؤولين دون مساس، مما يضع مصداقية الإصلاحات المالية على المحك أمام الشارع العراقي.

الحلول “المحرمة” وتداعياتها الاقتصادية

عند انسداد الأفق أمام الحلول الترقيعية، قد تضطر الحكومة للجوء إلى خيارين هما الأكثر مرارة في التاريخ الاقتصادي:

  • طباعة العملة دون غطاء إنتاجي مما يكرر سيناريو التسعينيات ويؤدي لتبخر قيمة الرواتب فعلياً.
  • الاستدانة من المؤسسات الدولية التي تفرض شروطاً قاسية تشمل رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء.
  • تقليص التعيينات الحكومية وفرض ضرائب جديدة تثقل كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة.

خارطة الطريق للإصلاح الحقيقي

تكمن الحلول الواقعية التي تتطلب شجاعة سياسية في معالجة جذور الخلل المالي بعيداً عن جيوب الموظفين:

  • تطهير فاتورة الرواتب عبر تدقيق حقيقي لملفات “الفضائيين” ومزدوجي الرواتب لتوفير 15% من الموازنة.
  • تعظيم الإيرادات غير النفطية من خلال ضبط المنافذ الحدودية التي لا تسهم حالياً إلا بنسبة ضئيلة.
  • استثمار أصول الدولة بدلاً من بيعها عبر تحويل القصور والمنشآت إلى مشاريع استثمارية تدر دخلاً ثابتاً.

إن الحكومة اليوم تقف أمام مفترق طرق حاسم، فإما المصارحة بإصلاحات هيكلية جريئة تنقذ الدولة من شبح الإفلاس، أو الاستمرار في تقديم المسكنات الاقتصادية التي قد تنفجر في وجه الجميع قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.